يشهد الطب المعاصر تحولًا متسارعًا نحو الاعتماد على الأنظمة الذكية والخوارزميات في تحليل البيانات السريرية واتخاذ القرارات التشخيصية والعلاجية. وقد أدى هذا التحول إلى تقليص دور الحدس البشري، الذي كان يُعد عنصرًا أساسيًا في الممارسة الطبية التقليدية، حيث يستند الطبيب إلى خبرته المتراكمة وملاحظته الدقيقة للحالات المشابهة. هذا الواقع الجديد يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان التخلي عن الحدس البشري يمثل مكسبًا تقنيًا خالصًا أم خسارة إنسانية عميقة.
من الناحية التقنية، أسهم تقليل الاعتماد على الحدس في رفع مستوى الدقة وتقليل الأخطاء الناتجة عن التحيز الشخصي أو الإرهاق المهني. فالخوارزميات قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات وتحليلها بطريقة منهجية لا تتأثر بالعوامل النفسية أو الضغوط الزمنية. إلا أن هذه المزايا التقنية لا تلغي حقيقة أن الحدس الطبي ليس عشوائيًا، بل هو نتاج سنوات من الخبرة السريرية والتفاعل المباشر مع المرضى.
إن غياب الحدس البشري قد يؤدي إلى ممارسة طبية جامدة، تركز على النتائج الرقمية دون الالتفات الكافي للفروق الفردية بين المرضى. فالقرارات الطبية لا تُبنى دائمًا على المؤشرات الكمية وحدها، بل تتطلب فهمًا عميقًا للسياق الإنساني والنفسي والاجتماعي للحالة الصحية. وفي كثير من الأحيان، يكون الحدس هو العامل الذي يدفع الطبيب إلى إعادة النظر في تشخيص يبدو صحيحًا من الناحية الحسابية.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبعاد الحدس البشري، بل في إعادة تعريف دوره ضمن بيئة طبية مدعومة بالتكنولوجيا. فالتكامل بين التحليل الخوارزمي والحدس الإنساني يضمن ممارسة طبية أكثر توازنًا تجمع بين الدقة التقنية والحس الإنساني.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.