أدى التقدم السريع في الأنظمة الطبية الذكية إلى إعادة صياغة مفهوم الرعاية الصحية، حيث بات التركيز ينصب بشكل متزايد على تحليل البيانات الطبية وتفسيرها. تعتمد هذه الأنظمة على معالجة السجلات الصحية الإلكترونية، والصور الطبية، والمؤشرات الحيوية، بهدف دعم التشخيص والعلاج. غير أن هذا التوجه يثير تساؤلًا نقديًا حول ما إذا كانت هذه الأنظمة تعالج المرض فعليًا أم تركز بالأساس على معالجة البيانات المرتبطة به.
من منظور تقني، تمثل البيانات الأساس الذي تُبنى عليه قرارات الأنظمة الذكية، إذ تُستخدم لاكتشاف الأنماط والتنبؤ بالمخاطر الصحية. هذا النهج أتاح تحسين دقة التشخيص وتخصيص العلاج، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى اختزال الحالة المرضية في مجموعة من القيم الرقمية. فالمريض، في هذا السياق، قد يُنظر إليه كمصدر بيانات أكثر من كونه إنسانًا يعاني تجربة مرضية متكاملة.
إن التركيز المفرط على البيانات قد يُغفل جوانب أساسية من المرض لا يمكن قياسها بسهولة، مثل الألم النفسي، والقلق، وتأثير المرض على جودة الحياة. كما أن جودة القرارات التي تنتجها الأنظمة الذكية تعتمد بشكل مباشر على جودة البيانات المدخلة، ما يجعلها عرضة للأخطاء في حال كانت البيانات ناقصة أو غير دقيقة.
وعليه، فإن فعالية الأنظمة الطبية الذكية لا تتحقق بمعالجة البيانات فقط، بل بقدرتها على دعم الطبيب في فهم المرض ضمن سياقه الإنساني الشامل. فالتكامل بين التحليل الرقمي والرؤية السريرية يضمن أن تبقى التكنولوجيا وسيلة لتحسين الرعاية الصحية، لا غاية بحد ذاتها، ويعيد توجيه الاهتمام نحو علاج الإنسان لا البيانات فقط.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى.