شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحوّلاً جذرياً في طرق استهلاك المعرفة، حيث أصبحت الشاشات الرقمية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، ومنصّات التواصل الاجتماعي غيّرت عادات القراءة، وفرضت إيقاعاً سريعاً للمعلومة، مما أثار تساؤلاً مشروعاً: هل ما زال للكتاب مكان في زمن الشاشات؟
تحوّل عادات القراءة
لم تختفِ القراءة، لكنها تغيّرت في شكلها ومدتها. فبدلاً من الجلوس لساعات مع كتاب ورقي، بات كثيرون يقرأون مقاطع قصيرة، وعناوين سريعة، ومنشورات مختصرة. هذا التحوّل جعل القراءة أكثر سهولة من حيث الوصول، لكنه في المقابل قلّل من عمق التركيز والاستيعاب لدى بعض القرّاء.
الكتاب الورقي: تجربة مختلفة
يمثّل الكتاب الورقي تجربة معرفية متكاملة؛ فهو يفرض على القارئ التمهّل، ويشجّع على التأمل، ويخلق علاقة هادئة مع النص. تشير دراسات عديدة إلى أنّ القراءة الورقية تساعد على الفهم العميق وتثبيت المعلومات، بخلاف القراءة السريعة عبر الشاشات التي غالباً ما تكون متقطّعة ومشتّتة.
الشاشات وسهولة الوصول
لا يمكن إنكار الدور الإيجابي للشاشات في نشر المعرفة. فقد أتاحت الكتب الإلكترونية والمقالات الرقمية فرصاً واسعة للقراءة، خصوصاً لمن لا تتوفّر لديهم مكتبات أو مصادر ورقية. كما ساهمت في خفض التكاليف وتسهيل الوصول إلى ملايين العناوين بضغطة زر.
التحدّي الحقيقي: العمق لا الوسيلة
المشكلة ليست في الشاشات ذاتها، بل في طريقة استخدامها. فالقراءة السطحية، مهما كانت وسيلتها، لا تبني وعياً حقيقياً. في المقابل، يمكن للشاشات أن تكون أداة فعّالة للقراءة العميقة إذا استُخدمت بوعي وتنظيم، بعيداً عن التشتّت والتنقّل المستمر بين المحتويات.
هل للكتاب مكان اليوم؟
نعم، لا يزال للكتاب مكانه، لكنّه لم يعد الشكل الوحيد للمعرفة. لقد تغيّر دوره من كونه المصدر الأوحد إلى كونه خياراً نوعياً لمن يبحث عن الفهم المتأني والتجربة الفكرية المتكاملة. الكتاب اليوم لم يعد منافساً للشاشة، بل مكمّلاً لها.
الخلاصة
القراءة لم تمت، لكنها أعادت تشكيل نفسها. وفي زمن الشاشات، يبقى الكتاب رمزاً للعمق والهدوء الفكري، فيما تمثّل الوسائل الرقمية سرعة الوصول وتنوّع المحتوى. التوازن بين الاثنين هو الطريق الأمثل لبناء قارئ واعٍ قادر على الاستفادة من معطيات العصر دون أن يفقد جوهر المعرفة.
جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العراق .