تُعدّ الفنون التشكيلية واحدة من أعمق وسائل التعبير الإنساني وأكثرها التصاقًا بروح الحضارة، إذ تمثل مرآةً تعكس وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. فمنذ الرسوم الأولى على جدران الكهوف، وحتى التجارب المعاصرة في الرسم والنحت والخزف والتصميم، ظلّ الفن التشكيلي شاهدًا حيًّا على تطور الفكر الإنساني وتحولاته الثقافية والاجتماعية.
يقوم الفن التشكيلي على إعادة تشكيل الواقع أو تجاوزه، عبر اللون والخط والكتلة والفراغ، ليمنح المتلقي تجربة بصرية وفكرية وجمالية في آنٍ واحد. فهو لا يكتفي بمحاكاة الظاهر، بل يسعى إلى النفاذ إلى الجوهر، وإثارة الأسئلة، وتحفيز الخيال. ومن هنا تتجلى قيمته بوصفه لغةً عالمية تتجاوز حدود اللغة المنطوقة، وتخاطب الوجدان الإنساني المشترك.
وقد أسهمت الفنون التشكيلية عبر العصور في توثيق التاريخ غير المكتوب للشعوب، فكانت اللوحة والمنحوتة شاهدتين على المعتقدات، والطقوس، والملامح اليومية للحياة. كما لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الذائقة الجمالية، وتعزيز الحس النقدي، وبناء الوعي الثقافي لدى الأفراد والمجتمعات.
وفي العصر الحديث، شهدت الفنون التشكيلية تحولات جذرية، متأثرةً بالتغيرات العلمية والتكنولوجية والفكرية. فظهرت مدارس واتجاهات متعددة، من الانطباعية والتكعيبية إلى التجريدية والمفاهيمية، كلٌّ منها قدّم رؤية مختلفة للعالم ولعلاقة الفنان بالواقع. ولم يعد العمل الفني حبيس القالب التقليدي، بل أصبح مساحةً مفتوحة للتجريب والتداخل بين الفنون والوسائط.
إن دعم الفنون التشكيلية والاهتمام بها تعليمًا وممارسةً ونقدًا، يُعدّ ضرورةً ثقافية وحضارية. فهي ليست ترفًا جماليًا، بل حاجة إنسانية تُسهم في تهذيب الذوق، وتوسيع المدارك، وترسيخ قيم الحوار والتنوع. ومن خلالها يستطيع الإنسان أن يعبّر عن قضاياه، وآلامه، وآماله، بلغة صامتة لكنها بالغة التأثير.
وهكذا تبقى الفنون التشكيلية جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الذات والآخر، وحقلًا رحبًا لإبداع لا ينضب، يؤكد أن الجمال كان وسيظل أحد أهم وجوه الحقيقة الإنسانية....جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .