تبدو العلاقة بين الشعر والرسم وثيقة الصلة بالخيال والإيحاء والإلهام، إذ تُكرّس كلتاهما للرؤية الفنية والجمالية، وقتا إلى الإلهام والمقارنة والشفاء الروحي، الذي ينبع من لحظات الكشف والهيمنة، ودخول المجهول، وصولاً إلى التجسيد المُجسّد في اللون والكلمة. تتسع أوجه المقارنة بين الشعر والرسم، فالرسام يرسم قصيدته في لوحة، والشاعر يكتب لوحته في قصيدة، وقد استغرقت هذه العلاقة فترات طويلة، بقيادة الرسام والشاعر، اللذين يجوبان معًا غابات الخيال وحقول الدلالة، باحثين عن أسرار وكنوز رؤيوية لم تُكتشف بعد. الرسم مادي وملموس، بينما الشعر روحي، ويتحرر كشكل شفوي من قيود المادة. يمكننا أن ندرك العلاقة بين المدرسة الانطباعية في الفنون البصرية، التي حررت التصوير الفوتوغرافي من قيود الموضوع، وقصيدة النثر، التي حررت الشعر من الأوزان والقافية. ثمة، إذن، رغبات مشتركة بين قصيدة النثر والرسم: العفوية، والتجريد، والتخلي عن الزخرفة، والزهد في اللون، والروحانية؛ كلها مصطلحات تتبادر إلى الذهن عند تأمل العلاقة الحميمة بين الفنان وقلمه. ثمة إحساس وشغف بالحرية والتحرر من قيود اللون، بعيدًا عن تعقيداته المتشعبة، والتحضير، والعناية بسطح اللوحة، وتحرر مماثل لقصيدة النثر من قيود الوزن والقافية. أقدم عبارة قيلت عن التداخل بين الشعر والرسم هي ما كرره الشاعر الروماني هوراس في كتابه (فن الشعر)، حين قال: "الشعر صورة ناطقة، والرسم شعر صامت". هناك أيضًا نظرية أرسطو في المحاكاة، التي طرحها في كتابه الشهير (فن الشعر)، حيث يرى أن الشعر والرسم يتشابهان في البداية من خلال محاكاة الواقع، ويختلفان في أن الأول يعتمد على سرد القصص، بينما يعتمد الثاني على التخطيط. وقد تأثر اثنان من أعظم فناني العالم بالشعر: فان جوخ، الذي لُقّب بـ"شاعر الألوان" لافتتانه بالتنوع اللوني الشعري للطبيعة، ومارك شاغال، الذي تميز باستخدامه الفريد للصور الشعرية في الرسم، مما جعل النقاد في حيرة من أمرهم عند تصنيف أعماله. من المؤكد أن للشعر طبيعة إنشادية، وأن علاقة المتلقي به علاقة سمعية، فالفواصل التي كُتبت على ضوئها "بيت الشعر" هي في الأصل فواصل سمعية. استثمر عدد من الشعراء المعاصرين في فن الرسم ودلالاته على مستويات متعددة كصيغة سردية للأداء الشعري، بينما قلد آخرون تقنيات اللون والظل والضوء بوعي تام لرسم لوحة شعرية بالكلمات، وذهب غيرهم إلى حد محاكاة أساليب التيارات الحديثة في الرسم، كالانطباعية والسريالية والتكعيبية وغيرها. أما المسار الثاني، فيمكن وصفه بـ"المسار المعدني"، وهو أحد أكثر التيارات الشعرية إثارة للجدل، ويهتم بخلق قراءة بصرية وتداخل فني بين فنون الشعر والرسم. "الرسم شعر صامت، والشعر رسم ناطق". الرسم شعر. يمكن أن تكون اللوحة قصيدة تتجول في متاهات الألوان، كما يمكن أن تكون القصيدة لوحة وجدت فرصتها في نسيج اللغة. يمنحنا الرسم القدرة على الرؤية. والحقيقة أن هذه الرؤية لا تتحقق إلا من خلال الفنون التي تجعلنا نرى الأشياء لأول مرة كما لم نرها من قبل....جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .