يُعدّ التصميم أحد الحقول المعرفية والفنية التي تجاوزت حدود الجماليات الشكلية ليغدو أداة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي وبناء الهوية البصرية للمجتمع. فقد أصبح التصميم، في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية المتسارعة، لغة بصرية تعبّر عن الخصوصية الحضارية والقيم الاجتماعية، وتسهم في ترسيخ الانتماء الثقافي في مواجهة تصاعد مظاهر العولمة البصرية وتوحيد الأنماط التصميمية.
تنطلق الهوية البصرية للمجتمع من منظومة متكاملة من الرموز والدلالات البصرية المستمدة من الموروث الثقافي والتاريخي والبيئي، والتي تتجسد من خلال الألوان والخطوط والأشكال والزخارف وأنماط التكوين. ويعمل التصميم على إعادة تنظيم هذه العناصر ضمن بنية بصرية معاصرة، قادرة على إيصال المعنى الثقافي بوضوح ووظيفية وجاذبية، ليغدو بذلك خطاباً بصرياً يحمل أبعاداً اجتماعية وثقافية عميقة، وليس مجرد نتاج جمالي معزول.
يسهم التصميم في بناء الهوية البصرية للمجتمع من خلال تحويل القيم والعادات والتقاليد إلى صيغ بصرية قابلة للتلقي والتأويل. فاختيار الألوان يرتبط غالباً بدلالات رمزية تعكس المعتقدات والتصورات الثقافية السائدة، في حين يؤدي الخط دوراً محورياً في تأكيد الخصوصية الهوياتية، ولا سيما في المجتمعات العربية حيث يُعدّ الخط العربي عنصراً بصرياً ذا حمولة تاريخية وجمالية عالية. كما يعزز توظيف الزخارف والرموز المحلية حضور الهوية البصرية ويمنح التصميم بعداً ثقافياً متجذراً في الذاكرة الجمعية.
ويُعدّ الرمز البصري من أكثر الأدوات فاعلية في التعبير عن الهوية المجتمعية، لما يمتلكه من قدرة على اختزال المعنى وتكثيف الدلالة. فالرموز المستلهمة من البيئة المحلية أو التراث الشعبي تخلق علاقة وجدانية بين المتلقي والعمل التصميمي، وتعزز الإحساس بالانتماء والخصوصية الثقافية. كما أن إعادة صياغة هذه الرموز ضمن إطار تصميمي معاصر يحقق توازناً بين الأصالة والحداثة، وهو ما يشكّل أحد أبرز تحديات التصميم في العصر الراهن.
في المقابل، يؤدي غياب الهوية البصرية الواضحة في التصميم إلى فقدان الخصوصية الثقافية وظهور أعمال متشابهة تفتقر إلى التميّز والمرجعية المحلية. وقد أسهم الانتشار الواسع للأنماط التصميمية العالمية في تعميق هذا الإشكال، إذ باتت العديد من التصاميم تخضع لمعايير موحّدة لا تراعي الفروق الثقافية بين المجتمعات، مما يستدعي وعياً نقدياً بدور التصميم في الحفاظ على التنوع الثقافي.
ويقع على عاتق المصمم دور محوري في بناء الهوية البصرية للمجتمع، بوصفه الوسيط الذي يربط بين الثقافة والنتاج البصري. ويتطلب هذا الدور فهماً عميقاً للسياق الثقافي والاجتماعي، وقدرة على استلهام العناصر المحلية وتوظيفها ضمن رؤية تصميمية معاصرة تراعي الوظيفة والجمال والبعد الاتصالي، فضلاً عن إدراك مسؤولية التصميم في التأثير على الذائقة البصرية وتوجيه سلوك المتلقي.
خلصت الدراسة إلى أن التصميم يشكّل أداة أساسية في بناء الهوية البصرية للمجتمع، لما يمتلكه من قدرة على التعبير عن الخصوصية الثقافية وتعزيز الوعي والانتماء الجمعي. ويُعدّ الاهتمام بالهوية البصرية في التصميم ضرورة ثقافية ومعرفية تسهم في مواجهة التماثل البصري الناتج عن العولمة، وتدعم إنتاج أعمال تصميمية تحمل طابعاً محلياً أصيلاً ورؤية معاصرة متوازنة.
هدف الاستدامة المتحقق
ينسجم هذا المقال مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، من خلال تعزيز الوعي الثقافي والبصري، ودعم التعليم الفني بوصفه أداة لبناء الهوية والمعرفة، كما يرتبط بـ الهدف الحادي عشر: مدن ومجتمعات محلية مستدامة عبر الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز التنوع البصري في المجتمعات.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.