يُعدّ الفن أحد أكثر الوسائل التعبيرية قدرةً على ملامسة قضايا المجتمع والتفاعل مع تحوّلاته الفكرية والقانونية، إذ يتجاوز كونه نشاطاً جمالياً ليغدو خطاباً بصرياً وثقافياً يحمل أبعاداً قانونية وإنسانية. وقد أسهم الفن عبر التاريخ في توثيق المظالم الاجتماعية، وطرح الأسئلة المرتبطة بالعدالة والحقوق والحريات، ما جعله وسيلة غير مباشرة للتعبير القانوني عن قضايا المجتمع.
ينطلق الدور القانوني للفن من قدرته على تحويل المفاهيم المجردة، مثل العدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، إلى صور ورموز بصرية قابلة للتلقي والتأويل. فالأعمال الفنية، من لوحات ومنحوتات وجداريات وأعمال تصميمية، تمتلك قدرة فريدة على إيصال الرسائل القانونية بأسلوب رمزي مؤثر، يتجاوز اللغة المكتوبة ويصل إلى وجدان المتلقي، مساهماً في بناء وعي قانوني مجتمعي.
ويُعدّ الفن أداة توثيق بصري للقضايا القانونية، إذ يعكس عبر رموزه ومعالجاته التشكيلية مشاهد الظلم الاجتماعي، والانتهاكات الحقوقية، وقضايا الفقر والتمييز والعنف. كما يسهم في تسليط الضوء على هذه القضايا وتحفيز النقاش العام حولها، بما يعزز من دور الفن في دعم العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ سيادة القانون.
في السياق المعاصر، برز الفن بوصفه وسيلة احتجاج قانوني سلمية، تُعبّر عن رفض القوانين الجائرة أو الممارسات غير العادلة، وتدعو إلى الإصلاح القانوني والتشريعي. وقد تجلى ذلك بوضوح في فنون الشارع والجداريات والملصقات الفنية، التي تحولت إلى منصات بصرية تعبّر عن صوت المجتمع، وتوثّق مطالبه القانونية بأسلوب إبداعي مشروع.
كما يؤدي الفن دوراً تربوياً في نشر الثقافة القانونية، من خلال تبسيط المفاهيم القانونية المعقّدة وتقديمها ضمن سياقات بصرية قريبة من وعي المتلقي. ويسهم هذا الدور في تعزيز الفهم المجتمعي للحقوق والواجبات، ودعم ثقافة احترام القانون، ولا سيما لدى فئة الشباب، عبر أساليب فنية تتسم بالتأثير والابتكار.
وتقع على عاتق الفنان مسؤولية أخلاقية وقانونية في معالجة قضايا المجتمع، إذ يتطلب التعبير الفني عن الموضوعات القانونية وعياً بالسياق الاجتماعي واحترام القيم الإنسانية، مع الحفاظ على حرية التعبير ضمن الأطر القانونية. ويُعد هذا التوازن بين الحرية والمسؤولية أحد أهم التحديات التي تواجه الفن القانوني المعاصر.
خلصت الدراسة إلى أن الفن يشكّل وسيلة فاعلة للتعبير القانوني عن قضايا المجتمع، لما يمتلكه من قدرة على التأثير في الوعي العام، وتوثيق القضايا الحقوقية، والمساهمة في تعزيز العدالة الاجتماعية. ويؤكد هذا الدور أهمية دمج الفن في الخطابات القانونية والثقافية بوصفه أداة للتغيير الإيجابي وبناء مجتمع أكثر وعياً وعدالة.
هدف الاستدامة المتحقق
ينسجم هذا المقال مع الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة: السلام والعدل والمؤسسات القوية، من خلال تعزيز الوعي بالحقوق والعدالة وسيادة القانون، كما يرتبط بـ الهدف الرابع: التعليم الجيد عبر دعم الثقافة القانونية والفكر النقدي من خلال الفن.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .