مكافحة التصحر وتدهور الأراضي
قضية التصحر وتدهور الأراضي واحدة من أخطر التحديات البيئية التي تهدد الأمن الغذائي والاستقرار البيئي العالمي. تهدف الورقة إلى تحليل العلاقة بين استراتيجيات الإدارة المستدامة للأراضي وتحقيق الهدف الخامس عشر من أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، وتحديداً الغاية (15.3) المعنية بـ "تحييد أثر تدهور الأراضي" (Land Degradation Neutrality - LDN). تستعرض المقالة المسببات الرئيسية للتدهور، وتناقش المؤشرات العلمية لقياس صحة التربة، وتطرح حلولاً قائمة على الطبيعة والتكنولوجيا لتعزيز صمود النظم الإيكولوجية في المناطق الجافة وشبه الجافة.
تُعد الأرض المورد الأساسي الذي يستند إليه بقاء البشرية، حيث توفر الغذاء والماء والمأوى، وتلعب دوراً محورياً في تنظيم المناخ. ومع ذلك، تشير تقارير "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر" (UNCCD) إلى أن تدهور الأراضي يؤثر سلباً على رفاهية ما لا يقل عن 3.2 مليار شخص حول العالم.
في هذا السياق، لم يعد التصحر مجرد مشكلة بيئية محلية، بل أضحى معضلة عالمية تتشابك مع الفقر، والهجرة القسرية، والتغير المناخي. ولذلك، وضعت الأمم المتحدة الهدف 15 (الحياة في البر) كركيزة أساسية ضمن أجندة 2030، مع التركيز بشكل خاص على الغاية 15.3 التي تدعو إلى مكافحة التصحر وترميم الأراضي المتدهورة للوصول إلى عالم "محايد" من حيث تدهور الأراضي.
.1 التصحر وتدهور الأراضي
من الضروري علمياً التمييز بين المصطلحين:
• تدهور الأراضي (Land Degradation): هو انخفاض أو فقدان الإنتاجية البيولوجية أو الاقتصادية للأراضي البعلية، والمروية، والمراعي، والغابات، والناتج عن العمليات الفيزيائية أو الكيميائية أو البيولوجية.
• التصحر (Desertification): هو تدهور الأراضي في المناطق القاحلة، وشبه القاحلة، والجافة وشبه الرطبة، والناتج عن عوامل متنوعة تشمل التغيرات المناخية والأنشطة البشرية.
تشير الدراسات إلى أن المحركات الرئيسية (Drivers) لهذه الظاهرة تنقسم إلى:
1. عوامل بشرية (Anthropogenic): تشمل الرعي الجائر، إزالة الغطاء النباتي، التوسع العمراني، والممارسات الزراعية غير المستدامة (مثل الإفراط في الري الذي يؤدي للتملح).
2. عوامل طبيعية ومناخية: تشمل ندرة الأمطار، الجفاف المطول، والتعرية الريحية والمائية.
يعتمد تحقيق هذا الهدف علمياً على ثلاثة مؤشرات عالمية (Global Indicators):
1. الغطاء الأرضي (Land Cover): رصد التغيرات في الغطاء النباتي.
2. إنتاجية الأرض (Land Productivity): قياس الكتلة الحيوية المنتجة.
3. مخزون الكربون العضوي في التربة (Soil Organic Carbon): وهو المؤشر الأهم لصحة التربة وقدرتها على احتجاز الكربون.
.2 استراتيجيات المكافحة والإدارة المستدامة
لتحقيق الهدف 15، يجب تبني نهج متكامل يجمع بين الحلول التقليدية والتقنيات الحديثة:
أ. الإدارة المستدامة للأراضي (SLM)
تتضمن ممارسات زراعية تهدف إلى الحفاظ على خصوبة التربة، مثل:
• الزراعة الحافظة (Conservation Agriculture): تقليل حرث التربة للحفاظ على بنيتها.
• الزراعة الحراجية (Agroforestry): دمج الأشجار مع المحاصيل الزراعية لتحسين تماسك التربة وتقليل التعرية.
• الدورات الزراعية: لتجديد العناصر الغذائية في التربة.
ب. الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions)
• إنشاء الأحزمة الخضراء حول المدن والمناطق الزراعية لصد الرياح وتثبيت الرمال.
• إعادة تأهيل متجمعات المياه لزيادة مخزون المياه الجوفية وتقليل الجريان السطحي الجارف.
ج. توظيف التكنولوجيا والاستشعار عن بعد
استخدام صور الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرصد مؤشرات التدهور بدقة عالية، مما يسمح لصانعي القرار بالتدخل الاستباقي في المناطق الأكثر عرضة للخطر (Hotspots).
. 3الأثر التنموي والاقتصادي
إن الاستثمار في مكافحة التصحر يحقق عوائد تتجاوز الجانب البيئي، حيث يساهم في تحقيق أهداف أخرى من أهداف التنمية المستدامة:
• الهدف 1 و 2 (القضاء على الفقر والجوع): استعادة الأراضي تزيد من الإنتاجية الزراعية وتدعم سبل العيش للمجتمعات الريفية.
• الهدف 13 (العمل المناخي): التربة الصحية تعتبر مخزناً هائلاً للكربون (Carbon Sink)، مما يساهم في التخفيف من الاحتباس الحراري.
• الهدف 6 (المياه النظيفة): التربة الجيدة تعمل بفعالية في ترشيح المياه وتخزينها.
6. الخاتمة والتوصيات
تخلص هذه المقالة إلى أن مكافحة التصحر وتدهور الأراضي ليست خياراً ترفيهياً، بل ضرورة حتمية لاستدامة الحياة على كوكب الأرض.
التوصيات:
1. دمج سياسات "تحييد أثر تدهور الأراضي" في خطط التنمية الوطنية.
2. تعزيز البحث العلمي الموجه نحو استنباط أصناف نباتية مقاومة للجفاف والملوحة.
3. تفعيل دور المجتمعات المحلية وإشراكهم في إدارة الموارد الطبيعية لضمان استدامة الحلول.