المقدمة
يُعدّ السرطان من أكثر الأمراض تحديًا في العصر الحديث، نظرًا لتعدد أنواعه وتعقيد آلياته وتأثيره الكبير في صحة الإنسان. وقد شهد مجال علاج الأورام تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، ولا سيما مع التقدم السريع في التقنيات الإشعاعية الحديثة التي أسهمت في تحسين نتائج العلاج وزيادة فرص الشفاء. ويُعد العلاج الإشعاعي أحد الركائز الأساسية في علاج الأورام، إذ يعتمد على استخدام الإشعاع المؤين لتدمير الخلايا السرطانية أو إيقاف نموها وانقسامها.
مفهوم العلاج الإشعاعي
العلاج الإشعاعي هو أسلوب علاجي يعتمد على توجيه جرعات مدروسة من الإشعاع إلى الورم بهدف إتلاف المادة الوراثية (DNA) في الخلايا السرطانية، مما يؤدي إلى موتها أو فقدان قدرتها على التكاثر. ويتميّز هذا النوع من العلاج بإمكانية استخدامه منفردًا أو بالاشتراك مع الجراحة أو العلاج الكيميائي، تبعًا لنوع الورم ومرحلته.
التقنيات الإشعاعية الحديثة في علاج الأورام
1. العلاج الإشعاعي المعدّل الشدة (IMRT)
تُعد تقنية IMRT من أبرز التقنيات المتقدمة في العلاج الإشعاعي، إذ تتيح التحكم بشدة الإشعاع وتوزيعه بدقة عالية بما يتناسب مع شكل الورم وحجمه. وتسهم هذه التقنية في تقليل تعرض الأنسجة السليمة المحيطة بالورم للإشعاع، مما يقلل من الآثار الجانبية ويزيد من فاعلية العلاج.
2. العلاج الإشعاعي الموجّه بالصور (IGRT)
تعتمد تقنية IGRT على استخدام وسائل التصوير الطبي الحديثة، مثل الأشعة المقطعية والتصوير بالرنين المغناطيسي، لتحديد موقع الورم بدقة قبل وأثناء جلسات العلاج. ويساعد ذلك على تصحيح أي تغيّر في وضعية الورم، مما يضمن توجيه الإشعاع بشكل أكثر دقة وأمان.
3. العلاج بالبروتونات
يُعد العلاج بالبروتونات من أحدث وأدق تقنيات العلاج الإشعاعي، إذ يستخدم حزم البروتونات بدلًا من الأشعة السينية التقليدية. وتمتاز هذه التقنية بقدرتها على إيصال الجرعة الإشعاعية مباشرة إلى الورم مع تقليل الجرعة الممتصة في الأنسجة السليمة، مما يجعلها مناسبة خصوصًا لعلاج أورام الأطفال والأورام القريبة من الأعضاء الحساسة.
4. الجراحة الإشعاعية التجسيمية (SRS وSBRT)
تُستخدم هذه التقنية لتوجيه جرعات عالية جدًا من الإشعاع إلى أورام صغيرة ومحددة بدقة متناهية خلال عدد محدود من الجلسات. وقد حققت نتائج متميزة في علاج أورام الدماغ والرئة والكبد.
فوائد التقنيات الإشعاعية الحديثة
أسهمت التقنيات الإشعاعية الحديثة في تحقيق العديد من الفوائد، من أبرزها زيادة دقة العلاج، وتقليل الآثار الجانبية، وتحسين نوعية حياة المرضى، إضافة إلى رفع نسب السيطرة على الأورام وتقليل معدلات الانتكاس.
التحديات والآفاق المستقبلية
على الرغم من التقدم الكبير في مجال العلاج الإشعاعي، إلا أن هناك تحديات تتعلق بارتفاع كلفة الأجهزة الحديثة، والحاجة إلى كوادر متخصصة، إضافة إلى ضرورة المتابعة المستمرة لتقليل التأثيرات طويلة الأمد للإشعاع. ومع ذلك، فإن دمج التقنيات الإشعاعية مع الذكاء الاصطناعي والطب الشخصي يُعد من الآفاق الواعدة التي ستسهم في تطوير علاج الأورام مستقبلًا.
الخاتمة
تمثل التقنيات الإشعاعية الحديثة نقلة نوعية في مجال علاج الأورام، لما توفره من دقة عالية وكفاءة علاجية متقدمة مع تقليل المضاعفات. ويُعد الاستثمار في هذا المجال وتطويره خطوة أساسية لتحسين الرعاية الصحية ومواجهة التحديات المتزايدة للأمراض السرطانية.
جامعة المستقبل الأولى على الجامعات العراقية الأهلية