شهدت التقنيات الجزيئية تطورًا كبيرًا في العقود الأخيرة، مما أسهم في إحداث نقلة نوعية في مجال التشخيص الطبي، ولا سيما في تشخيص الأمراض الفايروسية. ويُعد تفاعل البلمرة المتسلسل (Polymerase Chain Reaction – PCR) من أهم هذه التقنيات وأكثرها استخدامًا، لما يتميز به من دقة عالية وحساسية فائقة في الكشف عن المادة الوراثية للفايروسات حتى بكميات ضئيلة جدًا. وقد أصبح PCR أداة أساسية في المختبرات التشخيصية والبحثية على حد سواء.
مبدأ عمل تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)
يعتمد تفاعل البلمرة المتسلسل على تضخيم جزء محدد من الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبي (RNA) للفايروس، مما يسمح بالكشف عنه بسهولة. يتكون التفاعل من ثلاث مراحل رئيسية متكررة:
1. التمسخ (Denaturation): يتم فيها فصل شريطي الـ DNA عند درجة حرارة مرتفعة.
2. الارتباط (Annealing): ترتبط البوادئ (Primers) بالتسلسلات المستهدفة من المادة الوراثية.
3. الاستطالة (Extension): يقوم إنزيم البوليميراز بتكوين شريط جديد من الـ DNA.
في حالة الفايروسات ذات الـ RNA، مثل فايروس الإنفلونزا أو فايروس كورونا، يتم أولًا تحويل الـ RNA إلى DNA متمم (cDNA) باستخدام إنزيم النسخ العكسي، وتعرف هذه التقنية باسم RT-PCR.
دور PCR في تشخيص الأمراض الفايروسية
يُستخدم PCR على نطاق واسع في تشخيص العديد من الأمراض الفايروسية، لما يوفره من سرعة ودقة في النتائج. إذ يمكن من خلاله:
• الكشف المبكر عن الإصابة حتى قبل ظهور الأعراض السريرية.
• التمييز بين أنواع وسلالات فايروسية متقاربة وراثيًا.
• قياس الحمل الفايروسي (Viral Load) لمتابعة تطور المرض والاستجابة للعلاج.
وقد برزت أهمية PCR بشكل واضح خلال جائحة كوفيد-19، حيث كان الفحص القياسي المعتمد عالميًا لتشخيص الإصابة بفايروس SARS-CoV-2.
مميزات تقنية PCR
تتمتع تقنية PCR بعدة مميزات جعلتها الخيار الأول في التشخيص الفايروسي، من أهمها:
• الحساسية العالية: القدرة على الكشف عن كميات ضئيلة جدًا من المادة الوراثية.
• الدقة النوعية: تحديد فايروس معين دون غيره.
• السرعة: الحصول على النتائج خلال ساعات قليلة.
• المرونة: إمكانية استخدامها مع عينات مختلفة مثل الدم، اللعاب، والمسحات الأنفية.
التحديات والقيود
على الرغم من المزايا العديدة لتقنية PCR، إلا أنها تواجه بعض التحديات، منها:
• الحاجة إلى أجهزة مختبرية متقدمة وكوادر مدرَّبة.
• احتمالية التلوث، مما قد يؤدي إلى نتائج إيجابية كاذبة.
• ارتفاع التكلفة مقارنة ببعض الفحوصات التقليدية.
الخاتمة
يُعد تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR) من أهم التقنيات الحديثة في تشخيص الأمراض الفايروسية، لما يوفره من دقة وسرعة في الكشف عن الفايروسات المختلفة. ومع استمرار تطور التقنيات الجزيئية، من المتوقع أن يشهد PCR تحسينات إضافية تسهم في تعزيز دوره في التشخيص المبكر والسيطرة على انتشار الأمراض الفايروسية، مما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .