المهندسة تبارك محسن عاشور
يمثل الوقود الهجين أحد أكثر المفاهيم تطورًا وأهمية في هندسة الوقود والطاقة في المرحلة الراهنة، إذ لا يقتصر على كونه مزيجًا بسيطًا من نوعين من الوقود، بل يعكس رؤية هندسية متكاملة تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الخصائص الإيجابية لمصادر طاقة مختلفة ضمن منظومة تشغيل واحدة، بما يحقق أعلى كفاءة ممكنة مع أقل أثر بيئي، ويكتسب هذا النوع من الوقود أهمية خاصة في ظل التحديات العالمية المتمثلة في تزايد الطلب على الطاقة، واستمرار الاعتماد على محركات الاحتراق الداخلي، والحاجة الملحّة إلى تقليل الانبعاثات الملوِّثة دون إحداث صدمة اقتصادية أو تقنية للبنى التحتية القائمة، ويقوم مفهوم الوقود الهجين على دمج الوقود الأحفوري التقليدي، مثل البنزين أو الديزل، مع وقود منخفض الكربون أو متجدد، كالإيثانول، والبيوديزل، والوقود الحيوي المتقدم، أو حتى الهيدروجين بنسب مدروسة هندسيًا، بحيث يؤدي هذا الدمج إلى تحسين خواص الاحتراق، ورفع الكفاءة الحرارية، وتقليل الفواقد الطاقية والانبعاثات الضارة، وتعتمد فعالية الوقود الهجين على فهم دقيق للخواص الفيزيائية والكيميائية لمكونات الوقود، مثل رقم الأوكتان أو السيتان، ودرجة التطاير، واللزوجة، والاستقرار الحراري، وسلوك التفاعل داخل غرفة الاحتراق، حيث تسهم الإضافات الأكسجينية والوقود المتجدد في تعزيز الاحتراق الكامل وتقليل تكوّن أول أكسيد الكربون والهيدروكربونات غير المحترقة، كما أن بعض أنواع الوقود الهجين تتيح خفض درجات حرارة الاحتراق، ما يحد من تكوين أكاسيد النيتروجين، وهي من أخطر الملوثات الهوائية، ومن الناحية الهندسية، يشكل الوقود الهجين مجالًا خصبًا للتطوير والبحث العلمي، إذ يتداخل فيه علم الاحتراق، والهندسة الكيميائية، وتقنيات الفصل والمزج، وأنظمة التحكم الذكية، ما يسمح بتصميم وقود مخصص يتلاءم مع نوع المحرك وظروف التشغيل المختلفة، أما على الصعيد الاقتصادي، فيُعد الوقود الهجين حلًا عمليًا ومرنًا للدول الساعية إلى تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتنويع مصادر الطاقة دون استثمارات ضخمة وفورية، كما يسهم في خفض كلف التشغيل على المدى المتوسط والطويل، ويدعم الصناعات المحلية المرتبطة بإنتاج الوقود الحيوي ومعالجة المخلفات، وبيئيًا، يمثل هذا الوقود خطوة انتقالية محورية في مسار التحول نحو أنظمة طاقة أنظف، إذ يساعد على تقليل البصمة الكربونية وتحسين جودة الهواء وتحقيق التزامات الدول تجاه الاتفاقيات المناخية الدولية، ورغم التحديات المرتبطة بتوحيد المواصفات القياسية، وضمان التوافق طويل الأمد مع المحركات المختلفة، والحاجة إلى تشريعات تنظيمية واضحة، فإن التطور المستمر في تقنيات المزج، وتحسين المحفزات، وانخفاض تكاليف إنتاج الوقود المتجدد يعزز من فرص اعتماد الوقود الهجين على نطاق واسع، ليغدو ليس مجرد حل مؤقت، بل عنصرًا استراتيجيًا في بناء منظومة طاقة متوازنة تجمع بين الكفاءة، والاستدامة، والمرونة التقنية، وتؤسس لمرحلة انتقالية ذكية نحو مستقبل طاقي أكثر أمانًا ونظافة للأجيال القادمة.