لم يعد السلام في العالم المعاصر مفهومًا سياسيًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل غدا إشكالية ثقافية وجمالية عميقة، تتقاطع فيها الذاكرة الجمعية، والهويات المتصارعة، وصور العنف المتراكمة في الوعي الإنساني. وفي هذا السياق، يبرز فنّ الرسم بوصفه أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني قدرةً على تجاوز اللغة المنطوقة والحدود الجغرافية، ليؤدي دورًا محوريًا في إعادة بناء المعنى الإنساني المشترك، وفي ترسيخ قيم السلام بوصفه خيارًا أخلاقيًا وجماليًا قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا.
إنّ الرسم، عبر تاريخه الطويل، لم يكن مجرد أداة للتمثيل البصري، بل كان دومًا مساحةً للتأمل النقدي في الوجود الإنساني. فاللوحة الفنية قادرة على احتواء التناقضات الكبرى: الألم والأمل، الدمار والحياة، الذاكرة والنسيان. ومن هنا، فإنّ دور الرسم في نشر السلام لا يتحقق عبر الشعارات المباشرة أو الصور الوعظية السطحية، بل من خلال قدرته على إعادة تشكيل الحساسية الإنسانية تجاه الآخر، وعلى زعزعة أنماط التفكير العنيفة المترسخة في الوعي الجمعي.
لقد أظهرت التجارب الفنية العالمية، لا سيما في مجتمعات ما بعد الصراع، أنّ الرسم يمكن أن يعمل كوسيط بصري للشفاء الجماعي. فاللوحات التي توثق آثار الحروب لا تكتفي بإدانة العنف، بل تفتح فضاءً للتعاطف العابر للهويات، حيث يتحول الضحية من رقم أو خبر عابر إلى كائن إنساني قابل للفهم والمشاركة الوجدانية. وبهذا المعنى، يسهم الرسم في تفكيك سرديات الكراهية، واستبدالها بسرديات إنسانية قائمة على الاعتراف بالألم المشترك.
كما يتمتع فنّ الرسم بقدرة فريدة على خلق لغة بصرية كونية، لا تخضع لقيود الترجمة أو الاختلاف الثقافي. فاللون، والخط، والتكوين، والإيقاع البصري، عناصر تتفاعل مباشرة مع الإدراك الحسي للمتلقي، وتنتج استجابة وجدانية تتجاوز الانتماءات السياسية والدينية. ومن هنا، تصبح اللوحة الفنية مساحة حوار صامت بين ثقافات متباينة، يلتقي فيها الإنسان بالإنسان خارج منطق الصراع.
وفي الفن المعاصر، تحديدًا، لم يعد السلام يُقدَّم بوصفه حالة مثالية أو يوتوبيا بعيدة، بل كعملية نقدية مستمرة. إذ يلجأ العديد من الفنانين إلى تفكيك رموز السلطة، وإعادة توظيف صور العنف، ليس لتكريسها، بل لكشف آليات اشتغالها البصرية والنفسية. وبهذا، يتحول الرسم إلى فعل مقاومة جمالية، يناهض التطبيع مع العنف، ويدعو إلى مساءلة البنى التي تنتجه وتعيد تدويره.
ولا يمكن إغفال الدور التربوي والمعرفي لفنّ الرسم في نشر ثقافة السلام، لاسيما حين يُدمج في المناهج التعليمية والمشاريع المجتمعية. فتعليم الرسم لا يقتصر على تنمية المهارة التقنية، بل يرسّخ قيم الحوار، واحترام الاختلاف، والتعبير السلمي عن الصراعات الداخلية والخارجية. وهنا، يصبح الفنان فاعلًا ثقافيًا، يشارك في صياغة وعي اجتماعي جديد، قائم على الجمال بوصفه بديلًا عن العنف.
ختامًا، يمكن القول إنّ فنّ الرسم لا ينشر السلام بوصفه رسالة جاهزة، بل بوصفه تجربة إنسانية مفتوحة، تُعيد للإنسان قدرته على الإحساس، والتأمل، والتعاطف. وفي عالم يزداد فيه الضجيج البصري والإعلامي، تظل اللوحة الصادقة فعلَ صمتٍ عميق، يذكّر الإنسان بإنسانيته، ويفتح أفقًا جديدًا للتعايش والسلام العالمي..جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .