تم اعداد المقالة من قبل : المعيد محمد عباس .
يُعد الإشعاع المؤين، وخاصة في الإعدادات الطبية، من المخاطر المهنية التي تُعرض العاملين في الأشعة التشخيصية والتداخلية لتأثيرات بيولوجية خطيرة، بما في ذلك زيادة احتمال الإصابة بأورام، تأثيرات جلدية أو عدسات العين، وكذلك تأثيرات جينية طويلة المدى. ولهذا كانت الوقاية من الإشعاع أحد الركائز الأساسية في الصحة المهنية في مؤسسات الرعاية الصحية.
⸻
أولًا: المبادئ الأساسية للوقاية من الإشعاع
تستند برامج الوقاية الإشعاعية إلى مجموعة من المبادئ الأساسية المعترف بها عالميًا، ومنها:
1. التبرير (Justification):
كل إجراء إشعاعي يجب أن يكون مُثبتًا أنه مفيد طبيًا، وأن الفائدة المرجوة تفوق المخاطر المحتملة من التعرض الإشعاعي.
2. التحسين (Optimization) — مبدأ ALARA:
الهدف هو جعل الجرعات الإشعاعية “أدنى ما يمكن تحقيقه عمليًا” بدون الإخلال بالفائدة الطبية، ويشمل ذلك تدريب العاملين على تقنيات تقليل الجرعة مثل التحكم في التقنية، تنظيم معلمات التعرض، وتنظيم الإجراءات.
3. تحديد الحدود (Dose Limitation):
تحديد سقوف جرعات آمنة للعاملين تُساعد في الحد من مخاطر التأثيرات الخطية على المدى البعيد.
⸻
ثانيًا: العلاجات والإجراءات الوقائية العملية
أ. التدريب وزيادة الوعي
يُعد التدريب على مبدأ الوقاية الإشعاعية من أهم “العلاجات” غير الدوائية التي تقلل الجرعات المهنية بفاعلية. تدريب العاملين على التباعد الصحيح عن المصادر، كيفية استخدام معدات الحماية، فهم خواص الإشعاع، ومتابعة التحديثات العلمية، كلها عناصر أساسية.
النتائج: الدراسات أظهرت أن نقص الوعي يزيد من التعرضات غير الضرورية، وأن التدريب هو حجر الأساس في أي برنامج وقائي فعال.
⸻
ب. قياس الجرعات ومراقبة التعرض
استخدام أجهزة قياس الجرعة الشخصية (Dosimeters) يُعدُّ أداةً أساسية في الوقاية من الإشعاع، لأنه يوفر سجلاً دقيقًا للجرعة التي يتعرض لها الفرد، مما يساعد في تقييم الوضع المهني واتخاذ إجراءات تصحيحية إذا لزم الأمر.
⸻
ج. معدات الوقاية الفردية
معدات الحماية الشخصية (PPE) مثل:
• السترات الواقية من الرصاص (Lead Aprons): تقلل من كمية الإشعاع المنتثر الذي يصل إلى الجسم.
• أغطية حماية الغدة الدرقية (Thyroid Shields): تحمي من التأثيرات المباشرة على الغدة الحساسة.
• نظارات واقية مُبطَّنة بالرصاص: تقلل تعرض العدسات لتكوّن الكاتاراكت.
هذه الأدوات تُستخدم جنبًا إلى جنب مع أنظمة ترقيع واقية في غرف الأشعة لضمان بيئة عمل أكثر أماناً.
⸻
د. تقليل وقت التعرض والتباعد
التقليل من الوقت القريب من المصدر الإشعاعي، وزيادة المسافة بين العامل والمصدر وفق “قانون المسافة العكسية”، يمثلان من العلاجات الوقائية الفعالة دون تدخل دوائي. كلما زادت المسافة ضعفًا بينك وبين المصدر، تقل الجرعة إلى الربع تقريبًا.
⸻
ثالثًا: دور الطب الوقائي والعلاجات الطبية
🧪 علاجات طبية واقية من التعرض الإشعاعي مثل تناول يوديد البوتاسيوم (Potassium Iodide) تُستخدم فقط في حالات التعرض الحاد للإشعاع النووي لتقليل امتصاص اليود المشع في الغدة الدرقية، ولا تُستخدم بشكل وقائي روتيني في بيئات العمل الطبي العادية.
العلاجات الطبية تُخصص فقط في حالات التعرض الشديد غير المقصود (مثل الحوادث الإشعاعية الكبيرة)، حيث تشمل:
• إزالة التلوث الخارجي بسرعة.
• علاجات داعمة مثل أجسام منبهة لمستعمرات الكريات البيض لحماية نخاع العظم.
• المتابعة الطبية الممتدة لحالات التعرض الشديد.
⸻
رابعًا: التحديات والتوصيات المستقبلية
• ثقافة السلامة: تعزيز ثقافة الوعي والسلامة داخل بيئات العمل الإشعاعي عبر برامج تدريب دائمة.
• التكنولوجيا: الاستثمار في أجهزة تصوير متطورة تعطي جرعات أقل.
• المتابعة الصحية: فحوصات دورية للعاملين لرصد أي تغيّرات صحية مرتبطة بالتعرض.
⸻
خاتمة
الحماية الإشعاعية للعاملين في الأشعة الطبية ليست مجرد واجب تنظيمي، بل هي عملية متعددة الأبعاد تشمل:
✔️ تدريبًا مستمرًا
✔️ مراقبة جرعات دقيقة
✔️ استخدام معدات الحماية
✔️ تحسينات تقنية في الأجهزة
✔️ سياسات وقائية مدروسة
تؤدي هذه الإجراءات معًا إلى تقليل المخاطر الصحية المرتبطة بالإشعاع للممارسين الطبيين بشكل فعّال دون الاعتماد على العلاجات الدوائية الروتينية إلا في الظروف الطارئة.