المهندسة تبارك محسن عاشور
تُعد إدارة الإيقاف والتشغيل الآمن للوحدات الصناعية من أخطر وأدق المراحل التشغيلية في مختلف الصناعات التحويلية والإنتاجية، إذ تمثل هذه المراحل انتقالًا غير مستقر للمنظومة الصناعية من حالة اتزان إلى أخرى، ما يجعلها أكثر عرضة للحوادث والأعطال والانحرافات التشغيلية مقارنة بحالة التشغيل المستقر، ولذلك فإن التعامل معها يتطلب منهجًا هندسيًا متكاملًا يقوم على التخطيط المسبق والتحليل العميق للمخاطر والالتزام الصارم بإجراءات السلامة، حيث تبدأ إدارة الإيقاف أو التشغيل الآمن بوضع خطط تشغيلية مدروسة تعتمد على فهم سلوك العمليات الصناعية أثناء التغيرات الحرارية والضغوطية وتغير معدلات الجريان والتركيب الفيزيائي للمواد، إذ إن أي تغيير مفاجئ أو غير محسوب في هذه المتغيرات قد يؤدي إلى تفاعلات غير مرغوبة أو ارتفاعات خطرة في الضغط ودرجة الحرارة أو حدوث إجهادات ميكانيكية وحرارية تؤثر سلبًا على سلامة المعدات وكفاءتها، كما تُعد دراسات تحليل المخاطر مثل HAZOP وWhat-if Analysis من الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها المهندس لتحديد السيناريوهات المحتملة للأخطاء أثناء الإيقاف أو التشغيل ووضع الإجراءات الوقائية المناسبة لكل حالة، فضلًا عن أهمية توثيق خطوات الإيقاف والتشغيل ضمن تعليمات تشغيل قياسية واضحة ومفصلة تضمن توحيد الأداء وتقليل الاعتماد على الاجتهادات الفردية، ويبرز دور أنظمة السيطرة والتحكم الآلي في هذه المراحل بوصفها عنصرًا محوريًا في الحفاظ على استقرار العملية من خلال التحكم التدريجي بالمتغيرات التشغيلية ومنع حدوث الانحرافات المفاجئة، إضافةً إلى دور أنظمة الحماية مثل صمامات الأمان وأنظمة الإغلاق الطارئ التي تشكل خط الدفاع الأخير في حال فشل السيطرة التشغيلية، كما أن كفاءة العنصر البشري تبقى العامل الحاسم في نجاح إدارة الإيقاف والتشغيل الآمن، إذ يتطلب الأمر كوادر مدرّبة تمتلك خبرة عملية وفهمًا عميقًا لسلوك الوحدات الصناعية في الظروف غير المستقرة، إلى جانب القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وصحيحة عند مواجهة حالات طارئة، ولا تقتصر أهمية الإدارة الآمنة للإيقاف والتشغيل على جانب السلامة فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والتشغيلية، حيث إن الإيقاف أو التشغيل غير السليم قد يؤدي إلى تلف المعدات، وزيادة معدلات التآكل، وتراجع العمر التشغيلي للوحدات، وارتفاع تكاليف الصيانة والإصلاح، فضلًا عن فقدان كميات كبيرة من الطاقة والمواد الخام، كما أن الإدارة الفعّالة لهذه المراحل تسهم في تقليل الانبعاثات والتسربات التي قد تحدث أثناء الانتقال بين حالات التشغيل، ما ينسجم مع متطلبات الاستدامة البيئية والمعايير العالمية للسلامة الصناعية، ومن هنا يتضح أن إدارة الإيقاف والتشغيل الآمن ليست إجراءً ثانويًا أو مرحلة عابرة، بل هي جزء أساسي من فلسفة التشغيل الصناعي الحديث، تتطلب تكامل المعرفة الهندسية مع الخبرة العملية والتقنيات الحديثة وأنظمة السلامة، لضمان تشغيل الوحدات الصناعية بكفاءة عالية، وتقليل المخاطر، وتحقيق أعلى مستويات الاعتمادية والاستدامة في بيئة صناعية تتسم بالتعقيد والتحديات المتزايدة.