المهندسة تبارك محسن عاشور
يُعد ضبط الجودة في العمليات الصناعية أحد الركائز الأساسية لضمان فعالية الإنتاج واستمراريته، إذ يمثل مجموعة الأنظمة والإجراءات التي تضمن توافق المنتجات والخدمات مع المواصفات والمعايير المحددة مسبقًا، ويشمل ذلك جميع مراحل العملية الإنتاجية بدءًا من تصميم المنتج والمواد الخام المستخدمة، مرورًا بالتصنيع والمعالجة والتجميع، وصولًا إلى التغليف والتسليم النهائي، ويكمن الهدف الرئيسي لضبط الجودة في الحد من الأخطاء والعيوب وتقليل الفاقد وتحسين رضا العملاء، وهو ما يعكس بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي للمؤسسة، حيث أن الفشل في تطبيق معايير ضبط الجودة يؤدي إلى زيادة التكاليف التشغيلية نتيجة إعادة العمل، والتخلص من المنتجات التالفة، والتأثير السلبي على سمعة الشركة في السوق، وتُظهر الدراسات أن المؤسسات التي تطبق نظام ضبط جودة متكامل تحقق وفورات مالية كبيرة، إذ يقل معدل الهدر، وتتحسن كفاءة استهلاك الموارد والطاقة، كما ترتفع الإنتاجية وتصبح العمليات أكثر استقرارًا، ويكتسب ضبط الجودة أهميته الاقتصادية أيضًا من خلال تحسين قدرة المؤسسة على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية، حيث تعتبر المنتجات عالية الجودة معيارًا لجذب العملاء وكسب ثقتهم، كما تسهم في الامتثال للمعايير الدولية ومتطلبات التصدير، ومن الناحية التشغيلية، فإن ضبط الجودة يتضمن استخدام أدوات وأساليب تحليلية وتقنية حديثة مثل مراقبة العمليات الإحصائية (SPC)، وأنظمة إدارة الجودة الشاملة (TQM)، وتقنيات التحليل المتقدم للبيانات، والتي تسمح بالكشف المبكر عن الانحرافات ومواطن الضعف في العمليات، وبالتالي اتخاذ الإجراءات التصحيحية قبل أن تتحول إلى مشاكل كبيرة، ويُعزز ضبط الجودة الكفاءة التنظيمية من خلال توحيد الإجراءات التشغيلية، وتقليل الاعتماد على الخبرة الفردية أو القرارات العشوائية، مما يخلق بيئة عمل أكثر انضباطًا وتحكمًا، كما يساهم في تطوير مهارات العاملين من خلال التدريب المستمر على تطبيق معايير الجودة وتحليل المشكلات وإيجاد الحلول المناسبة، بالإضافة إلى الدور الاستراتيجي لضبط الجودة في تقليل المخاطر المالية والقانونية، فوجود نظام صارم للجودة يقلل من احتمالية التعرض لمطالبات العملاء أو الغرامات أو العقوبات نتيجة تقديم منتجات غير مطابقة للمواصفات، ويُعتبر ضبط الجودة عنصرًا محوريًا في تعزيز الاستدامة الاقتصادية للمؤسسة، حيث يضمن الاستخدام الأمثل للمواد الخام والطاقة ويقلل من النفايات والانبعاثات الضارة، وبالتالي يحقق توازنًا بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة، وعليه فإن الاستثمار في نظم ضبط الجودة ليس مجرد تكلفة إضافية، بل استراتيجية فعّالة لرفع كفاءة العمليات، وتعظيم العائد المالي، والحفاظ على سمعة المؤسسة، وضمان استمراريتها في بيئة صناعية تنافسية ومعقدة تتطلب مستوى عاليًا من الدقة والالتزام والمعايير العالمية.