في لحظات التحول الكبرى من تاريخ الأمم، لا يكون الفن ترفًا، ولا يكون الجيش قوةً صامتة، بل يتحولان معًا إلى روح واحدة تحرس الذاكرة وتصنع المستقبل. فكما يحمل الجندي سلاحه دفاعًا عن الأرض، يحمل الفنان ريشته دفاعًا عن الهوية، وكلاهما يقف في خندق واحد حين تتعرض القيم الإنسانية للاختبار.
إن عيد الجيش العراقي ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو استحضار لمسيرة طويلة من التضحية والانتماء، مسيرة كُتبت بدماء الشهداء، وصبر المقاتلين الذين حملوا العراق في قلوبهم قبل أن يحملوه على أكتافهم. وفي هذا اليوم، لا يُحتفى بالقوة بوصفها أداة قتال فحسب، بل بالقوة بوصفها معنى إنسانيًا عميقًا، قوة الإرادة، وقوة الصمود، وقوة الإيمان بالوطن.
ومن هذا المنطلق، يأتي انطلاق مهرجان كلية الفنون الجميلة في جامعة المستقبل «حين يرسم الفن شجاعة الوطن» بوصفه حدثًا ثقافيًا وفنيًا ذا دلالة رمزية عميقة. فالفن في جوهره ليس بعيدًا عن مفاهيم البطولة، بل هو مرآتها الإنسانية. فاللوحة، والنحت، والموسيقى، والمسرح ليست مجرد أشكال جمالية، بل وثائق وجدانية تحفظ ذاكرة الشعوب، وتحوّل الألم إلى أمل، والخسارة إلى معنى.
لقد كان الفن عبر التاريخ شاهدًا حيًا على الحروب والانتصارات، وعلى الانكسارات والنهوض، وعلى الإنسان في أقسى لحظاته وأكثرها سموًا. والفنان، كالجندي، لا يختار دائمًا ظروفه، لكنه يختار موقفه. يختار أن يقول «نحن هنا»، وأن يحوّل الخراب إلى سؤال، والخوف إلى تعبير، والصمت إلى صوت.
إن إقامة مهرجان فني في مناسبة وطنية بحجم عيد الجيش العراقي تمثل إعلانًا واضحًا بأن الثقافة ليست على هامش الوطن، بل في قلبه، وأن الجامعات ليست مؤسسات تعليمية فحسب، بل فضاءات للوعي والمسؤولية الوطنية. فكل عمل فني يُعرض في هذا المهرجان هو رسالة شكر صامتة لكل جندي وقف على الحدود، ورسالة أمل لكل شاب يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالفكر كما يُحمى بالقوة.
وفي هذا التلاقي العميق بين الفن والجيش، يتضح أن الوطن لا يُصان بالسلاح وحده، ولا يُبنى بالجمال وحده، بل بتكامل الاثنين معًا. فالفن يمنح المعنى لما يحميه الجيش، والجيش يحمي الأرض التي يزهر فيها الفن.
وهكذا، يتحول مهرجان كلية الفنون الجميلة في جامعة المستقبل من فعالية احتفالية إلى لحظة وعي جماعي، تؤكد أن العراق، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادرًا على الغناء، والرسم، والحلم، وما زال يمتلك جيشًا يحمي الحلم، وفنانين يضيئون دروبه.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .