المهندسة تبارك محسن عاشور
يُعد دمج مبادئ الاستدامة في تصميم العمليات من أهم التحولات الفكرية والمنهجية التي تشهدها الصناعات الحديثة، حيث لم يعد تصميم العمليات يركّز فقط على تحقيق أعلى معدلات الإنتاج أو تقليل الكلفة المباشرة، بل أصبح ينطلق من رؤية شمولية تأخذ بنظر الاعتبار الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية معًا، بهدف بناء منظومات تشغيلية قادرة على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات المستقبلية دون الإضرار بالموارد الطبيعية أو تحميل الأجيال القادمة أعباء إضافية، ويبدأ هذا التوجه منذ المراحل الأولى للتصميم من خلال تحليل شامل لدورة حياة العملية، بدءًا من اختيار المواد الخام، مرورًا بمراحل المعالجة والتحويل، وانتهاءً بالمنتج النهائي وما يرافقه من نفايات أو انبعاثات، إذ يتيح هذا التحليل تحديد النقاط الأكثر استهلاكًا للموارد والطاقة والعمل على تحسينها أو استبدالها بمسارات أكثر كفاءة، كما يُعد ترشيد استهلاك الطاقة أحد المحاور الأساسية في التصميم المستدام، ويتحقق ذلك عبر تحسين التكامل بين الوحدات المختلفة واسترجاع الطاقة المهدورة وإعادة استخدامها داخل العملية نفسها، الأمر الذي يؤدي إلى خفض الطلب على مصادر الطاقة الخارجية وتقليل الأثر البيئي المصاحب لها، ويشمل دمج الاستدامة أيضًا تقليل توليد النفايات من المصدر بدلًا من معالجتها في المراحل النهائية، وذلك من خلال تبسيط العمليات، ودمج المراحل المتشابهة، وتحسين ظروف التشغيل بما يقلل الفاقد ويرفع مردود المواد المستخدمة، كما يولي التصميم المستدام اهتمامًا خاصًا بمرونة العمليات وقابليتها للتطوير، بحيث تكون قادرة على استيعاب التغيرات في المتطلبات السوقية أو التشريعات البيئية دون الحاجة إلى إعادة تصميم كاملة أو استثمارات باهظة، ومن الجوانب الجوهرية في هذا السياق هو الربط بين الاستدامة والسلامة التشغيلية، إذ إن العمليات المصممة بكفاءة عالية وبعدد أقل من المراحل والمعدات تكون عادةً أكثر استقرارًا وأقل عرضة للأعطال والحوادث، مما ينعكس إيجابًا على حماية العاملين وتقليل المخاطر التشغيلية، وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن دمج مبادئ الاستدامة في تصميم العمليات يمثل استثمارًا طويل الأمد يحقق وفورات مالية ملموسة من خلال تقليل تكاليف التشغيل والصيانة، وتحسين كفاءة استخدام المواد والطاقة، وتقليل الخسائر المرتبطة بالتوقفات غير المخطط لها أو المخالفات البيئية، كما يعزز هذا النهج من تنافسية المؤسسات الصناعية ويزيد من قدرتها على دخول الأسواق التي تفرض معايير صارمة تتعلق بالأداء البيئي والمسؤولية المجتمعية، ولا يمكن إغفال الدور المحوري للتقييم المستمر للأداء بعد تنفيذ التصميم، إذ إن الاستدامة ليست هدفًا ثابتًا بل عملية تحسين مستمرة تتطلب مراقبة وتحليل البيانات التشغيلية وتحديث الأساليب المعتمدة بما يواكب التطور التقني وتغير الظروف، وعلى المدى البعيد، يسهم دمج مبادئ الاستدامة في تصميم العمليات في بناء منظومة صناعية أكثر توازنًا، قادرة على تحقيق النمو الاقتصادي دون استنزاف الموارد أو الإضرار بالبيئة، ويؤكد أن التصميم المستدام لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الصناعة وتحقيق التنمية المسؤولة في عالم يواجه تحديات بيئية واقتصادية متزايدة.