المهندسة تبارك محسن عاشور
يُعد تحليل الحوادث الصناعية ومنع تكرارها من الركائز الأساسية في بناء منظومة صناعية آمنة ومستقرة، إذ تمثل الحوادث انعكاسًا مباشرًا لخلل في التصميم أو التشغيل أو الصيانة أو السلوك البشري، وغالبًا ما تكون نتيجة تداخل معقد لعدة عوامل وليس سببًا واحدًا واضحًا، لذلك فإن التعامل معها يتطلب منهجًا تحليليًا عميقًا يتجاوز معالجة النتائج الظاهرة ليصل إلى الجذور الحقيقية للمشكلة، حيث تبدأ عملية التحليل بجمع دقيق ومنهجي للبيانات والمعلومات المتعلقة بالحادث، بما في ذلك ظروف التشغيل، وتسلسل الأحداث، وحالة المعدات، وإجراءات العمل المتبعة، والعوامل البيئية المحيطة، وشهادات العاملين، وذلك بهدف إعادة بناء السيناريو الكامل للحدث دون افتراضات مسبقة أو أحكام متسرعة، ويُعد تحديد السبب الجذري للحادث خطوة محورية في هذه العملية، إذ إن الاكتفاء بمعالجة الأسباب السطحية يؤدي غالبًا إلى تكرار الحادث بصيغ مختلفة، بينما يسمح التحليل الجذري بوضع حلول فعّالة ومستدامة، كما تلعب أدوات التحليل المنهجي مثل تحليل شجرة الأخطاء، وتحليل الأسباب والنتائج، وتقنيات التحقيق المنظم دورًا مهمًا في كشف العلاقات السببية بين الأخطاء البشرية، والأعطال الفنية، ونقاط الضعف التنظيمية، ومنع تكرار الحوادث لا يعتمد فقط على الحلول التقنية، بل يتطلب أيضًا تطوير ثقافة سلامة راسخة داخل المنشأة الصناعية، تقوم على الشفافية، وتشجيع الإبلاغ عن المخاطر والحوادث الوشيكة، والتعلم من الأخطاء بدلًا من إلقاء اللوم، حيث إن إشراك العاملين في عملية التحليل يعزز الوعي بالمخاطر ويزيد من الالتزام بالإجراءات الوقائية، كما أن تحويل نتائج التحليل إلى إجراءات تصحيحية واضحة، مثل تحديث تعليمات العمل، وتحسين التصميم، وتعزيز أنظمة الحماية، وتكثيف برامج التدريب، يمثل عنصرًا أساسيًا في منع تكرار الحوادث، ويكتسب هذا النهج أهمية اقتصادية كبيرة، إذ إن الحوادث الصناعية تؤدي إلى خسائر مباشرة تتمثل في تلف المعدات وتوقف الإنتاج، وخسائر غير مباشرة تشمل تراجع السمعة، وارتفاع تكاليف التأمين، والغرامات، إضافة إلى الأثر النفسي على العاملين، بينما يسهم التحليل الفعّال للحوادث في تقليل هذه الخسائر وتحسين موثوقية العمليات واستمراريتها، وعلى المدى البعيد، يُعد تحليل الحوادث ومنع تكرارها عملية تعلم مستمرة ترفع من مستوى النضج التنظيمي، وتدعم الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي في إدارة المخاطر، مما يضمن بيئة عمل أكثر أمانًا، ويعزز الاستدامة التشغيلية، ويؤكد أن السلامة الصناعية ليست حدثًا طارئًا أو إجراءً مؤقتًا، بل هي منظومة متكاملة تقوم على التحليل، والتخطيط، والتطوير المستمر.