تشهد المستشفيات في مختلف دول العالم ضغوطًا متزايدة نتيجة النمو السكاني المتسارع، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، إلى جانب التكاليف التشغيلية المرتفعة. وفي ظل هذه التحديات، أصبحت تحليلات البيانات الذكية (Smart Data Analytics) أداة استراتيجية تسهم في تحويل الكم الهائل من البيانات الطبية والإدارية إلى معلومات دقيقة تُستخدم في دعم اتخاذ القرار، وتعزيز كفاءة الرعاية الصحية، ورفع جودة الخدمات، وضمان استدامة الأنظمة الصحية.
تعتمد المستشفيات الحديثة على منظومات متقدمة لجمع البيانات، تشمل السجلات الصحية الإلكترونية، وأجهزة إنترنت الأشياء الطبية، وأنظمة الموارد البشرية، وبيانات المخزون وسلاسل الإمداد. ومن خلال توظيف التحليلات الذكية، يمكن الاستفادة من هذه البيانات بعدة مستويات؛ إذ تساعد التحليلات التنبؤية في استشراف أعداد المرضى المحتملة وأنماط انتشار الأمراض، بما يتيح التخطيط المسبق وتخصيص الموارد بكفاءة. كما تساهم التحليلات الوصفية في توفير مؤشرات أداء ولوحات متابعة آنية تعكس واقع العمل داخل المستشفى، مثل معدلات استهلاك الموارد والالتزام بالبروتوكولات العلاجية. في حين تعمل التحليلات المعيارية على اقتراح حلول تشغيلية عملية، كتحسين جدولة الطواقم الطبية أو تعزيز كفاءة سلاسل التوريد.
وعلى مستوى إدارة المستشفيات، ينعكس توظيف تحليلات البيانات الذكية بشكل مباشر في رفع كفاءة القرارات الإدارية، من خلال تقليل أوقات الانتظار، وتحسين استخدام الأسرّة، وتحقيق توزيع أفضل للكوادر الطبية. كما تسهم هذه التحليلات في خفض التكاليف التشغيلية عبر تقليل الهدر في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتحسين استهلاك الطاقة والمياه. وإلى جانب ذلك، تدعم البيانات الذكية جودة الرعاية السريرية من خلال تمكين الأطباء من اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، ما يساعد في التشخيص المبكر وتقليل الأخطاء الطبية، فضلًا عن تعزيز السلامة الصحية.
ولا يقتصر أثر تحليلات البيانات الذكية على الجوانب الإدارية والطبية فقط، بل يمتد ليشمل البعد البيئي، إذ تساعد في مراقبة استهلاك الموارد وتقليل البصمة الكربونية لسلاسل الإمداد والخدمات الصحية، بما ينسجم مع مفاهيم الاستدامة البيئية. كما يرتبط هذا التوجه ارتباطًا وثيقًا بأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الثالث المعني بالصحة الجيدة والرفاه، من خلال دعم الرعاية الوقائية وتحسين جودة الخدمات، إضافة إلى الهدف التاسع الذي يركز على الابتكار والبنية التحتية، عبر تعزيز نظم المعلومات الصحية وإدماج الذكاء الاصطناعي في إدارة المستشفيات.
وبذلك، فإن دمج تحليلات البيانات الذكية في إدارة المستشفيات يُعد خطوة محورية نحو بناء مستشفيات المستقبل الذكية والخضراء، حيث يتحقق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والجودة السريرية، مع الالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
جامعة المستقبل الجامعة الأولى في العراق