م. م محمد حمزة عيدان
كلية العلوم الادارية – قسم العلوم المالية والمصرفية / جامعة المستقبل
شهد الفكر الجنائي تطورا ملحوظاً في تحديد الشخص المسؤول عن ارتكاب الجريمة ، فلم يعد الفاعل الجنائي يقتصر على من باشر السلوك الإجرامي مادياً، بل امتد ليشمل من يقف خلف هذا السلوك ويوجهه، وهو ما يعرف بالفاعل المعنوي . ويعد هذا التطور استجابة طبيعية لتعقد صور الإجرام وتعدد وسائله .
فالفاعل الحقيقي هو الشخص الذي يأتي السلوك المجرم بنفسه ويحدث النتيجة الإجرامية مباشرة، فيتحقق بحقه الركن المادي والمعنوي للجريمة دون وساطة . أما الفاعل المعنوي ، هو الشخص الذي لا يرتكب الركن المادي المكون للجريمة بنفسه وانما يسخر غيره في ذلك فيكون الغير اداة الفاعل المعنوي في ارتكاب الجريمة ، فيكون الفاعل هنا مستغلاً شخص غير مميز أو براءة شخص حسن النية ومن أمثلة الفاعل المعنوي من يزين لمجنون أو صغير وضع النار في مسكن فتقع بذلك جريمة الحرق .
وقد أخذ المشرع العراقي بهذا المفهوم في قانون العقوبات ، فقد نصت المادة ( 47 / 3 ) بصريح النص يعد فاعلاً للجريمة ( من دفع بأي وسيلة شخصاً على تنفيذ الفعل المكون للجريمة اذا كان هذا الشخص غير مسؤول جزائياً عنها لأي سبب ) ؛ إذ يسأل من توافرت لديه الإرادة الإجرامية وسيطر على الفعل ولو لم يباشره بنفسه . فالعبرة في تحديد الفاعل ليست بالفعل المادي وحده ، وإنما بامتلاك زمام الجريمة وتوجيهها نحو تحقيق النتيجة المحرمة قانوناً .
وتبرز أهمية الفاعل المعنوي في الحالات التي يستغل فيها الجاني أطفالاً، أو عديمي التمييز، أو أشخاصاً حسني النية ، لتنفيذ أفعال تشكل جرائم دون أن تتوافر فيهم شروط المسؤولية الجنائية فلو اقتصر التجريم على الفاعل الحقيقي فقط ، لأفلت الفاعل المعنوي من العقاب، وهو ما يتعارض مع مبدأ العدالة الجنائية وحماية المجتمع .
النتيجة ، إن الانتقال من مفهوم الفاعل الحقيقي إلى الفاعل المعنوي في القانون العراقي يعد تطور في السياسة الجنائية ، ويؤكد أن المسؤولية الجنائية تقوم على السيطرة الواعية على الفعل الإجرامي لا على مجرد مباشرته وهو اتجاه محمود يسهم في سد الثغرات التشريعية ويحقق الردع والعدالة في مواجهة صور الإجرام المتجددة.