يُعدّ الفن أحد أهم أشكال التعبير الثقافي والإنساني، إذ يعكس وعي المجتمع وقضاياه وتحولاته الفكرية والسياسية. ولا ينشأ الخطاب الفني بمعزلٍ عن الأطر القانونية التي تنظّم حرية التعبير والإنتاج الثقافي، بل يتأثر بشكل مباشر بالتشريعات القانونية السائدة في أي مجتمع، سواء من حيث المحتوى أو الشكل أو آليات العرض والتلقي.
تسهم التشريعات القانونية في توجيه الخطاب الفني عبر تحديد الحدود الفاصلة بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية. فالقوانين التي تحمي حرية الرأي والتعبير تتيح للفنان مساحة أوسع لطرح القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية بجرأة ووعي، في حين قد تؤدي القوانين التقييدية أو الرقابية المفرطة إلى الحدّ من تنوع الخطاب الفني، ودفع الفنانين إلى استخدام الرمزية أو الأساليب غير المباشرة للتعبير عن أفكارهم.
كما تلعب القوانين دورًا مهمًا في حماية حقوق الملكية الفكرية، وهو ما يشجّع الفنانين على الابتكار والإنتاج دون خوف من السرقة أو الاستغلال. فوجود تشريعات واضحة لحماية حقوق المؤلف يسهم في خلق بيئة ثقافية صحية تدعم استدامة الإبداع الفني وتضمن الاعتراف بالجهد الفردي والجماعي للفنانين.
ومن جهة أخرى، تؤثر التشريعات المرتبطة بالقيم العامة والهوية الثقافية في مضمون الخطاب الفني، إذ تسعى بعض القوانين إلى الحفاظ على الخصوصية الثقافية ومنع الإساءة إلى الرموز الدينية أو الوطنية. وقد ينعكس ذلك إيجابًا عندما يكون الهدف حماية النسيج المجتمعي، أو سلبًا عندما يتحول إلى أداة لتقييد الفكر النقدي والتجريب الفني.
ويرتبط هذا الموضوع ارتباطًا وثيقًا بـ هدف التنمية المستدامة السادس عشر (السلام والعدل والمؤسسات القوية)، الذي يؤكد على بناء مؤسسات فعّالة وضمان سيادة القانون وحماية الحريات الأساسية. فوجود تشريعات عادلة وشفافة يوفّر بيئة داعمة للفن بوصفه أداة للحوار المجتمعي، وتعزيز ثقافة السلام، ونشر الوعي بالحقوق والواجبات. كما يسهم الفن، في ظل هذه التشريعات، في دعم العدالة الاجتماعية وتسليط الضوء على قضايا الفئات المهمّشة.
وخلاصة القول، إن العلاقة بين التشريعات القانونية والخطاب الفني علاقة جدلية متبادلة التأثير؛ فالقانون يوجّه الفن ويؤطره، بينما يسهم الفن بدوره في نقد القوانين وتطوير الوعي القانوني لدى المجتمع. وعندما تتوازن حرية الإبداع مع المسؤولية القانونية، يصبح الفن قوة فاعلة في تحقيق التنمية المستدامة وبناء مجتمع أكثر وعيًا وعدلًا...جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.