تُعدّ نظرية التحريم في الفنون الإسلامية من أبرز القضايا الفكرية التي أسهمت في تشكيل ملامح الفن الإسلامي وتفرّده عبر العصور، إذ ارتبطت هذه النظرية بمنظومة القيم الدينية والعقائدية التي سعت إلى صون التوحيد وتنزيه الذات الإلهية عن أي تشبيه أو تجسيد. ولم تكن هذه النظرية عائقًا أمام الإبداع الفني، بل شكّلت إطارًا فكريًا وجماليًا دفع الفنان المسلم إلى ابتكار بدائل تعبيرية ذات عمق رمزي وروحي.
تنطلق نظرية التحريم أساسًا من الموقف الإسلامي المتحفّظ تجاه تصوير الكائنات الحية، ولا سيما الإنسان، خوفًا من الوقوع في محاكاة الخلق أو إعادة إنتاج ممارسات وثنية عرفتها الحضارات السابقة. وقد انعكس هذا الموقف في الفنون الدينية خصوصًا، مثل عمارة المساجد والمصاحف، حيث غاب التمثيل التشخيصي لصالح أشكال فنية تجريدية قائمة على الهندسة، والزخرفة النباتية، والخط العربي.
وقد أسهم هذا التحريم في توجيه الذائقة الجمالية نحو التجريد، فبرزت الزخارف الهندسية بوصفها تعبيرًا عن النظام الكوني والدقة الإلهية، كما حملت الزخارف النباتية دلالات رمزية ترتبط بالحياة والخلود والجنة. أما الخط العربي، فقد احتل مكانة مركزية في الفنون الإسلامية، إذ تحوّل النص القرآني إلى عنصر بصري جمالي يجمع بين المعنى الروحي والقيمة التشكيلية، ما أضفى على العمل الفني بعدًا قدسيًا وتأمليًا.
ولم يكن التحريم مفهومًا جامدًا أو مطلقًا، بل اختلفت تأويلاته باختلاف البيئات والثقافات الإسلامية. ففي بعض الفترات والمناطق، ظهرت رسوم تشخيصية في المخطوطات الأدبية والعلمية، ولا سيما في الفن الفارسي والعثماني، مع الحفاظ على الفصل بينها وبين الفضاءات الدينية. وهذا يؤكد أن نظرية التحريم أسهمت في ضبط مسار الفن الإسلامي أكثر مما قيّدته، وسمحت بتنوّع الأساليب ضمن حدود فكرية وأخلاقية واضحة.
إن خصوصية الفن الإسلامي تكمن في قدرته على تحويل القيود الظاهرية إلى منطلقات إبداعية، حيث أصبح التجريد سمة جمالية وفلسفية تعبّر عن السمو الروحي والتوجّه نحو المطلق. وبذلك، أسهمت نظرية التحريم في بلورة هوية فنية متميزة، لا تقوم على محاكاة الواقع، بل على استحضار جوهره ومعناه العميق...جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.