لم تعد الجريمة في العصر الرقمي رهينة الفعل المادي أو الأداة الملموسة، بل باتت تتشكّل أحياناً عبر موجات غير مرئية وتأثيرات نفسية يصعب قياسها أو ضبطها. ومن بين أخطر هذه التحوّلات ما يُعرف بـ المخدرات الرقمية، وهي ظاهرة حديثة تطرح تساؤلات عميقة حول حدود التجريم في قانون العقوبات، ومدى قدرته على مواكبة أنماط الإدمان الجديدة التي لا تترك أثراً مادياً، لكنها قد تُخلّف آثاراً نفسية وسلوكية لا تقل خطورة.
المخدرات الرقمية: المفهوم والإشكالية
تُسوَّق المخدرات الرقمية على شكل ملفات صوتية تعتمد على ترددات محددة يُقال إنها تؤثر في نشاط الدماغ وتُحدث حالات من الاسترخاء أو النشوة أو الهروب الذهني. ورغم الجدل العلمي القائم بشأن مدى فاعليتها، فإن خطورتها القانونية لا تكمن فقط في تأثيرها المحتمل، بل في سهولة الوصول إليها، وغياب الرقابة، واستهدافها فئات عمرية هشّة، لا سيما فئة الشباب.
التكييف الجنائي: مأزق النص التقليدي
يقوم قانون العقوبات في بنيته الكلاسيكية على أركان واضحة: فعل مادي، ونتيجة، ورابطة سببية، ومحل للجريمة. غير أن المخدرات الرقمية تُربك هذا البناء، إذ:
• لا وجود لمادة مخدِّرة يمكن ضبطها أو تحليلها،
• ولا يمكن بسهولة إثبات وقوع ضرر مباشر،
• كما يصعب توصيف الاستماع إلى ملف صوتي كـ “تعاطٍ” بالمعنى الجنائي التقليدي.
وهنا تبرز معضلة حقيقية أمام القاضي الجنائي: هل يمكن مساءلة سلوك لا يترك دليلاً مادياً، أم أن ذلك يشكّل توسّعاً خطيراً في التجريم؟
مبدأ الشرعية وحدود الحماية الجنائية
إن مبدأ الشرعية الجنائية يشكّل صمّام أمان للحريات الفردية، ويمنع التجريم أو العقاب دون نص صريح. إلا أن التمسك الحرفي بهذا المبدأ، دون تطوير تشريعي، قد يخلق فراغاً قانونياً يسمح بانتشار سلوكيات ضارّة خارج نطاق المساءلة. ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الشرعية ذاته، بل في تأخر النص القانوني عن ملاحقة الواقع المتغيّر.
بين التجريم والوقاية: أي سياسة جنائية نحتاج؟
إن مواجهة المخدرات الرقمية لا تتحقق عبر العقوبة وحدها، بل من خلال سياسة جنائية متكاملة تقوم على:
• تحديث التشريعات بما يراعي طبيعة الجرائم الرقمية،
• إشراك الخبرة الطبية والنفسية في تحديد مدى الضرر،
• تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الإدمان غير التقليدي،
• واحترام حقوق الإنسان وعدم الانزلاق نحو تجريم السلوكيات دون ضوابط واضحة.
خاتمة
تمثل المخدرات الرقمية نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ “الجرائم بلا مادة”، وهي اختبار حقيقي لمرونة قانون العقوبات وقدرته على حماية المجتمع دون المساس بجوهر العدالة الجنائية. وبين خطر الإفلات من العقاب وخطر التوسّع غير المنضبط في التجريم، تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي واعٍ ومتوازن، يواكب التحوّل الرقمي ويؤسس لسياسة جنائية حديثة قادرة على مواجهة جرائم المستقبل بعقل قانوني منضبط ورؤية إنسانية رشيدة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق