يعدّ الفن من أرقى أشكال التعبير الإنساني وأكثرها قدرة على ملامسة الوجدان الجمعي، إذ لا يقتصر دوره على الجانب الجمالي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليؤدي وظيفة إنسانية وثقافية فاعلة في الدفاع عن القيم والحقوق الأساسية. ومن هنا برز الفن بوصفه أداة مؤثرة في حماية حقوق الإنسان، لما يمتلكه من قدرة على إيصال الرسائل الإنسانية، وكشف الانتهاكات، وبناء الوعي المجتمعي تجاه قضايا الحرية والكرامة والعدالة.
لقد ارتبط الفن عبر التاريخ بقضايا الإنسان المصيرية، فكان شاهدًا على معاناته وآماله وتطلعاته. ففي الفنون التشكيلية، جسّد الفنانون صور الظلم والقهر والحروب، وعبّروا عن آلام الضحايا بلغة بصرية قادرة على اختراق الحواجز اللغوية والثقافية. أما في المسرح والسينما والأدب، فقد تحولت الأعمال الفنية إلى منصات نقدية تفضح انتهاكات الحقوق، وتدعو إلى مقاومة الاستبداد والدفاع عن حرية التعبير والمساواة.
ويتميّز الفن بقدرته على التأثير غير المباشر، إذ يحرّك المشاعر ويثير التعاطف، ما يجعله وسيلة فعّالة في تغيير الوعي والسلوك الاجتماعي. فالعمل الفني لا يفرض خطابًا مباشرًا، بل يفتح أفق التأمل والحوار، ويدفع المتلقي إلى إعادة النظر في المسلّمات، واستشعار معاناة الآخر، وهو ما يسهم في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المجتمعات.
كما يلعب الفن دورًا مهمًا في تمكين الفئات المهمشة، عبر إتاحة مساحة للتعبير عن الذات وإيصال الصوت المغيَّب. فالفن يمنح النساء، والأطفال، والأقليات، واللاجئين فرصة لسرد تجاربهم ومعاناتهم، وتحويلها إلى خطاب إنساني مؤثر يطالب بالإنصاف والاعتراف. وبهذا المعنى، يصبح الفن ممارسة حقوقية بحد ذاته، تعزز الحق في التعبير والمشاركة الثقافية.
ويتقاطع دور الفن في حماية حقوق الإنسان مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف السادس عشر: السلام والعدل والمؤسسات القوية، الذي يدعو إلى تعزيز مجتمعات عادلة وشاملة، وضمان الوصول إلى العدالة، وبناء مؤسسات تحترم حقوق الإنسان. إذ يسهم الفن في نشر قيم السلام، ونبذ العنف، وتعزيز الحوار والتسامح، ما يدعم بناء وعي مجتمعي رافض للانتهاكات ومطالب بالعدالة.
وخلاصة القول، إن الفن ليس ترفًا ثقافيًا، بل قوة ناعمة فاعلة في حماية حقوق الإنسان وصون كرامته. فمن خلال قدرته على التعبير، والتأثير، وبناء الوعي، يشكّل الفن جسرًا بين الإبداع والإنسانية، ويسهم في تحقيق عالم أكثر عدلًا وسلامًا، يتماشى مع رؤى التنمية المستدامة وأهدافها الإنسانية الشاملة..جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .