يُعدّ المسرح فضاءً حيًّا تتقاطع فيه أنساق متعددة من التعبير، لا تقتصر على اللغة المنطوقة وحدها، بل تمتد لتشمل الجسد، والصورة، والصوت، والفضاء، والإضاءة. وفي هذا السياق، تبرز الميتالغة بوصفها منظومة دلالية موازية للغة اللفظية، تعمل على إنتاج المعنى وتكثيفه عبر إشارات ورموز غير مباشرة. ويُعد دمج الميتالغة في الإخراج المسرحي من أبرز التحولات الجمالية والفكرية التي أسهمت في تطوير الخطاب المسرحي المعاصر، ومنحته أبعادًا تأويلية أعمق.
تشير الميتالغة في المسرح إلى كل ما يتجاوز الحوار المكتوب ليصبح حاملًا للمعنى، مثل حركة الممثل، تعبيرات الوجه، الإيماءة، الصمت، الإيقاع، الموسيقى، الألوان، توزيع الكتل في الفضاء المسرحي، والإضاءة. فهذه العناصر لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تتحول إلى لغة ثانية تتفاعل مع النص، وقد تعارضه أو تعيد تفسيره، بما يفتح المجال أمام قراءة متعددة المستويات للعرض المسرحي.
ويحتل المخرج المسرحي موقعًا محوريًا في توظيف الميتالغة، إذ يتحول من منفذ للنص إلى منتج للمعنى. فاختياراته الإخراجية لا تُعد قرارات تقنية فقط، بل هي مواقف فكرية وجمالية تُترجم رؤية العرض. من خلال الميتالغة، يستطيع المخرج تفكيك النص الدرامي وإعادة تركيبه بصريًا وسمعيًا، مستعينًا بالرمز والتكثيف والاختزال بدل التفسير المباشر.
يسهم دمج الميتالغة في الإخراج المسرحي في تعزيز التواصل مع المتلقي، لكونها تخاطب الحس والخيال واللاوعي، وليس العقل اللغوي وحده. فالصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وحركة الجسد قد تكشف صراعًا داخليًا لا تستطيع اللغة الإفصاح عنه. وبهذا يتحول المتفرج من متلقٍ سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى، من خلال التأويل وربط الدلالات.
كما أن الميتالغة تكتسب أهمية خاصة في المسرح المعاصر، ولا سيما في العروض التجريبية وما بعد الدرامية، حيث يتراجع مركز النص لصالح الصورة والأداء والحدث. ففي هذا النوع من المسرح، تصبح الميتالغة هي البنية الأساسية للعرض، وتتحول العلامات المسرحية إلى شبكة دلالية مفتوحة، تعكس قلق الإنسان المعاصر، وتفكك الثوابت السردية واللغوية.
ومع ذلك، فإن توظيف الميتالغة يتطلب وعيًا إخراجيًا دقيقًا، إذ إن الإفراط في الرمز أو الغموض قد يؤدي إلى انقطاع التواصل مع الجمهور. لذا، تكمن مهارة المخرج في تحقيق التوازن بين وضوح الدلالة وثراء الإشارة، وبين البعد الجمالي والبعد الفكري للعرض.
وخلاصة القول، إن الميتالغة تمثل أداة فاعلة في الإخراج المسرحي، تسهم في توسيع أفق التعبير، وتحرير العرض من أسر اللغة المنطوقة، وتحويل المسرح إلى خطاب بصري–سمعي متعدد الطبقات. ومن خلال دمجها الواعي، يستطيع المخرج المسرحي أن يقدّم عرضًا غنيًا بالدلالات، قادرًا على ملامسة المتلقي وإثارة تساؤلاته الفكرية والجمالية، بما يرسّخ دور المسرح كفن حيّ ومؤثر في الوعي الإنساني...جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .