على الرغم من أن الخلايا لا تمتلك جهازًا عصبيًا أو دماغًا، فإنها قادرة على الاحتفاظ بمعلومات عن أحداث سابقة وتعديل سلوكها المستقبلي بناءً على ذلك. وتُعرف هذه الظاهرة باسم الذاكرة الخلوية (Cellular Memory)، وهي تمثل مفهومًا أساسيًا في علم الأحياء الخلوي الحديث، وعلم المناعة، وعلم التخلّق الوراثي (Epigenetics).
تشير الذاكرة الخلوية إلى قدرة الخلية على الاستجابة بشكل مختلف للمؤثر نفسه اعتمادًا على التعرض السابق له. وحتى بعد زوال الإشارة الأصلية، تبقى استجابة الخلية متغيرة لفترة طويلة، وفي بعض الحالات طوال عمر الخلية أو حتى في الخلايا البنوية الناتجة عنها.
الأساس الجزيئي للذاكرة الخلوية
لا تُخزَّن الذاكرة الخلوية في تسلسل الـDNA نفسه، بل تُشفَّر من خلال تغيرات جزيئية وكيميائية حيوية مستقرة، تشمل:
التنشيط أو التثبيط المستمر لـ بروتينات الإشارة الخلوية
تغيرات طويلة الأمد في بنية الكروماتين وإمكانية الوصول إليه
استمرار مستويات عوامل النسخ
تعديلات فوق جينية مثل مثيلة الـDNA وتعديلات بروتينات الهستون
ومن المهم التأكيد على أن تسلسل الـDNA لا يتغير، وإنما يتغير فقط أسلوب قراءة الجينات وتنظيم التعبير الجيني.
الأهمية الحيوية والسريرية
تُفسّر الذاكرة الخلوية العديد من الظواهر الحيوية المهمة، مثل:
لماذا تستجيب الخلايا المناعية بشكل أسرع وأقوى بعد التعرض الثاني لنفس العامل الممرض
كيف يمكن أن تؤدي الضغوط النفسية أو الالتهابات أو التغيرات الاستقلابية إلى تغيير دائم في سلوك الخلايا
لماذا يمكن لإشارات قصيرة الأمد أن تُحدث تأثيرات بيولوجية طويلة الأمد
ويُعد هذا المفهوم محوريًا لفهم الذاكرة المناعية، وتمايز الخلايا، وتكيف الأنسجة، والأمراض المزمنة.
الخلاصة
الخلايا لا تُعاد برمجتها من الصفر بعد كل إشارة، بل إنها تحمل تاريخًا جزيئيًا يوجّه استجاباتها المستقبلية. وتسمح الذاكرة الخلوية للكائنات الحية بالتكيّف وحماية نفسها والحفاظ على الاستقرار الوظيفي طويل الأمد. وفي علم الأحياء، الحياة لا تتذكر بالعقول، بل بالجزيئات.
جامعة المستقبل الاولى علة الجامعات العراقية الاهلية