قدمها م.م.منتظر صالح مهدي
ما بعد القوالب التقليدية: ثورة الاندماج العظمي واستعادة الإحساس
لطالما كانت المعضلة الكبرى في هندسة الأطراف الصناعية ليست في تصميم الطرف ذاته، بل في نقطة اتصاله بجسم الإنسان. الاعتماد التقليدي على "القالب" (Socket) يشبه ارتداء حذاء ضيق طوال اليوم؛ فهو يسبب مشاكل جلدية، تعرقاً، وتغيراً في حجم البتِر، مما يجعل الطرف عبئاً بدلاً من كونه وسيلة مساعدة. لكن المشهد العلمي بدأ يتغير جذرياً مع تقنية الاندماج العظمي (Osseointegration).
تعتمد هذه التقنية على زرع دعامة من التيتانيوم مباشرة داخل عظم المريض، ليصبح الطرف الصناعي امتداداً فيزيائياً للهيكل العظمي، تماماً كما يتم زراعة الأسنان. هذا التجاوز للقالب التقليدي لا يمنح المريض حرية حركة أوسع وراحة من الآلام الجلدية فحسب، بل يفتح الباب أمام ظاهرة مذهلة تُعرف بـ "الإدراك العظمي" (Osseoperception).
حين يمشي المريض الذي خضع لهذه التقنية، تنتقل الاهتزازات من الأرض عبر الطرف المعدني مباشرة إلى العظم الطبيعي، مما يسمح للدماغ باستشعار نوع الأرضية (صلبة، رملية، عشب) دون النظر إليها. هنا، نحن لا نتحدث فقط عن استعادة "الحركة"، بل نحن بصدد استعادة جزء مفقود من "الإحساس". يمثل هذا التطور ذروة الهندسة الحيوية، حيث لم يعد الهدف مجرد تعويض شكل العضو المفقود، بل دمج الآلة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من بيولوجيا الإنسان.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق