اعداد : أ.م.د حيدر كاظم مولى
الوعي الذاتي يُعد من أهم المهارات النفسية التي يمكن للفرد اكتسابها. إنه ليس فقط أداة لفهم الذات، بل هو أيضا حجر الزاوية لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي، واتخاذ قرارات صائبة تؤدي إلى النمو الشخصي والمهني في هذا العصر الذي نعيش فيه حيث الحياة اليومية مليئة بالتحديات وضغوط العمل، يصبح الوعي الذاتي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ذلك ان الوعي الذاتي يسمح لنا بالتعرف على أنفسنا بشكل أفضل وفهم تأثير سلوكياتنا ومشاعرنا على حياتنا اليومية. إنه يساعدنا على بناء علاقات صحية، التعامل مع الضغوط بشكل فعّال، وتحقيق النجاح في مختلف مجالات الحياة
الوعي الذاتي... النبضة التي تجمع العلم والروح
الوعي الذاتي هو لحظة إدراك يتلاقى فيها العلم بالوجدان لحظة انكشاف للذات أمام ذاتها، حين يراقب العقل نشاطه ويعي أثره على الإحساس في الدماغ، تنشط شبكة الوضع الافتراضي(Default Mode Network) فترسم صورة معرفية دقيقة عن ، "الأنا"، بينما يعمل الفص الجبهي الإنسي على تقويم السلوك وتنظيم الانفعال. غير أن هذه العمليات العصبية لا تُختزل في الكهرباء والكيمياء فقط؛ إنها المظهر البيولوجي لحدث وجداني عميق في تلك اللحظة يتسع الحضور، وتبدأ النفس في فصل الشعور عن الهوية. فالغضب يُرى كحالة عابرة، لا كصفةٍ لصيقة، والخوف يُفهم كمثير فسيولوجي يمكن تهدئته عبر التنفس أو إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal). هكذا يتداخل الوعي الذاتي مع التنظيم الانفعالي، إذ تتراجع استجابات اللوزة الدماغية حين تُرصد بوعي، ويتفعّل الفص الجبهي ليعيد التوازن بين الانفعال والفكر. وهذا التبادل بين الإدراك العصبي والانتباه الشعوري هو ما يجعل الوعي الذاتي أداةً علاج داخلية، قبل أن يكون مهارة مكتسبة .
فالوعي الذاتي هو عملية إدراك الفرد لأفكاره، مشاعره ودوافعه. إنه القدرة على النظر إلى الداخل والتفكير في تصرفاتنا وسلوكياتنا بطريقة غير متحيزة. الإدراك الذاتي ليس مجرد التفكير في الذات، بل هو القدرة على ملاحظة وتحليل سلوكياتنا بشكل موضوعي. يشمل هذا الإدراك التفاعل مع مشاعرنا ومراقبة ردود أفعالنا تجاه المواقف المختلفة.
وعلى المستوى الأعمق، الوعي الذاتي ليس حالة من الانفصال بل من الانسجام. أن ترى ذاتك لا لتحاكمها، بل لتحتضنها بعين العالم وقلب الانسان انه توازن بين التحليل والتعاطف و بين الملاحظة والتقبل. كل لحظة وعي بنفسك تعيد تشكيل الروابط العصبية وتنعش المرونة الدماغية (Neuroplasticity)، فيصبح الفهم وسيلةَ شفاء، لا مجرد معرفة. وهكذا يتحول الوعي الذاتي من مفهوم ذهني إلى ممارسةٍ روحيةٍ علمية: أن تراقب فكرك، وتسمع جسدك، وتبصر قلبك، دون أن تنحاز لأيَّ منها
"الوعي الذاتي هو أن تسكن ذاتك كما يسكن الضوء الزجاج: يمر فیه، ویضیئه، دون أن یلتصق به."
أنواع الوعي الذاتي:
الوعي الذاتي يمكن تقسيمه إلى نوعين رئيسيين
1- الوعي الذاتي الداخلي: هو القدرة على فهم وتفسير أفكارنا ومشاعرنا الداخلية، والبحث عن معناها ودوافعها. هذا النوع من الإدراك الذاتي يمكن أن يساعدنا على تطوير فهم أعمق لأنفسنا. الأشخاص الذين يتمتعون بوعي ذاتي داخلي قوي يكونون عادة أكثر انسجاما مع أهدافهم الشخصية ومبادئهم وقيمهم.
2- الوعي الذاتي الخارجي: يتعلق هذا النوع بالقدرة على معرفة كيفية إدراك الآخرين لنا الأشخاص الذين يمتلكون وعيًا ذاتيًا خارجيًا جيدًا يتمتعون بفهم واضح لكيفية تأثير سلوكياتهم على الآخرين. فهم يتفاعلون بشكل متوازن في العلاقات ويستطيعون تعديل تصرفاتهم ليتوافقوا مع توقعات الآخرين دون أن يفقدوا أصالتهم.
أهمية الوعي الذاتي:
• اتخاذ قرارات أفضل: يساعد على اتخاذ قرارات مدروسة بدلا من ردود الأفعال الانفعالية
• علاقات صحية يحسن العلاقات الشخصية والمهنية من خلال فهم أعمق لنفسك وللآخرين
• القيادة الفعالة: يعد حجر الزاوية في الذكاء العاطفي والقيادة الناجحة
• تحسين الأداء: يساعد في تحسين الأداء المهني من خلال المراقبة الذاتية وتصحيح الأخطاء
• المرونة العاطفية: يمكن من إدارة المشاعر بشكل أفضل والتغلب على التحديات بثقة أكبر.
في الختام
الوعي الذاتي هو عملية مستمرة لا تتوقف عند مرحلة معينة. إنه أداة قوية تساعد على تحسين الذات، تحقيق النجاح الشخصي والمهني، وبناء علاقات صحية ومتوازنة. من خلال تطوير الوعي الذاتي، يمكننا أن نعيش حياة أكثر اتزانا ورضا، حيث نصبح أكثر قدرة على التحكم في تصرفاتنا وتحقيق أهدافنا.
جامعة المستقبل... معرفة راسخة، وأمل يصنع الغد.