لطالما عانت الصحة النفسية من الإهمال مقارنة بالطب العضوي، رغم أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق تمثل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا على الأفراد والمجتمعات. وفي السنوات الأخيرة، بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تسهم في سد هذه الفجوة من خلال تطوير علاجات معرفية سلوكية رقمية (Digital CBT) وتطبيقات قادرة على تتبع المزاج وتحليل المشاعر بشكل لحظي.
العلاج السلوكي الرقمي
يرتكز العلاج السلوكي الرقمي على منصات افتراضية تقدم جلسات علاجية تفاعلية، يديرها نظام ذكاء اصطناعي مدرَّب على بروتوكولات العلاج السلوكي. هذا النموذج يتيح للمرضى الوصول إلى خدمات العلاج في أي وقت ومن أي مكان، وهو ما يُعد ذا أهمية بالغة في المجتمعات التي تعاني من نقص الكوادر الطبية المتخصصة في الصحة النفسية، مثل العراق.
تحليل المشاعر وتقنيات الذكاء الاصطناعي
من جانب آخر، تمكّن تقنيات تحليل المشاعر (Sentiment Analysis) من مراقبة تغيرات المزاج والسلوك عبر التفاعل مع النصوص المكتوبة أو نبرة الصوت. هذه البيانات تساعد الأطباء والمعالجين على تكوين صورة شمولية ودقيقة عن الحالة النفسية للمريض، بما يعزز من فرص التدخل المبكر قبل أن تتطور الأعراض إلى اضطرابات حادة.
التحديات الأخلاقية
تبقى التحديات الأخلاقية قائمة، إذ إن جمع بيانات نفسية حساسة يثير تساؤلات حول الخصوصية والأمان الرقمي. لذلك، فإن نجاح هذه التطبيقات مشروط بوجود أطر تنظيمية واضحة وسياسات صارمة تكفل حماية بيانات المستخدمين وتعزز من ثقتهم في هذه التقنيات.
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور المعالج النفسي، بل يعزز من فعاليته ويوسع نطاق وصول الخدمات إلى فئات أوسع. ومع تزايد معدلات الاضطرابات النفسية بعد الحروب والأزمات الاقتصادية في العراق، فإن تبني العلاج الرقمي وتحليل المشاعر قد يشكل نقلة نوعية في تحسين الصحة النفسية للمجتمع.
ويمكن ربط هذا التوجه مباشرةً بأهداف التنمية المستدامة:
• الهدف 3 (الصحة الجيدة والرفاه): من خلال توفير حلول مبتكرة لمعالجة الاضطرابات النفسية وتحسين جودة الحياة.
• الهدف 9 (الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية): عبر دعم الابتكار في مجال الصحة الرقمية وتطوير بنى تحتية تقنية متقدمة قادرة على تقديم العلاج عن بُعد.
• الهدف 10 (الحد من أوجه عدم المساواة): بإتاحة خدمات العلاج النفسي الرقمية لشريحة واسعة من السكان، بمن فيهم من يعيشون في مناطق نائية أو يعانون من محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية التقليدية.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.