هل سبق أن تأملت ذلك الوهج الأزرق الذي ينير وجوهنا في الظلام، ذلك العالم الموازي الذي نحمله في جيوبنا؟ إنه ليس مجرد جهاز، بل بوابة إلى كونٍ مصغر تُدار من خلاله علاقاتنا، ذكرياتنا، بل وحتى كيميائنا الدماغية. في هذه الرقعة الزجاجية، تتحول اللمسة إلى إدمان، والإشعار إلى ناقوس عاطفي، والتمرير السريع إلى آلة لإعادة تشكيل عقول الأجيال الناشئة.
في قفص الاتصال: العزلة المتصلة
يبدأ الأمر ببراءة: شاشة تلمع كحلوى بصرية للطفل الصغير. لكن سرعان ما تتحول إلى نافذة لا تُغلق على عالم لا ينتهي. هنا، يبني المراهق هويته الرقمية على "الإعجابات" والتعليقات، في معمل اجتماعي خطير حيث القبول مشروط، والصورة الشخصية قابلة للتعديل والتصفية. التواصل الحقيقي يذوي، ليحل محله حوار النصوص القصيرة والرموز التعبيرية، كأننا نختصر المشاعر الإنسانية المعقدة إلى مكتبة من الإيموجي.
تشريح الانتباه: جيل التشتت
يتغير شكل الدماغ النامي ليناسب بيئته. مع القصف المستمر بالمحفزات السريعة (مقاطع الفيديو القصيرة، الألعاب سريعة اللمس)، تتقلص القدرة على التركيز المتواصل. يصبح الصبر على المهام الطويلة أو القراءة العميقة أشبه بتحدٍ عصبي. يتم "تشذيب" المسارات العصبية التي تتحمل الملل وتدعم التفكير التأملي، لصالح تلك التي تبحث عن الجديد واللافت فوراً. نحن نربي جيلاً من العقول المتعطشة للجديد، والمملولة بسرعة من القديم.
النوم والمرايا الزرقاء
في الليل، تتحول الهواتف إلى مصابيح تأمل سامة. الضوء الأزرق المنبعث يكبح إنتاج الميلاتونين، هرمون النوم، مخدعاً الدماغ ليعتقد أن الوقت نهار. لكن الأثر أعمق: قبل النوم مباشرة، يغمر العقل بمحتوى عاطفي (خلافات، أخبار، مقارنات اجتماعية)، فيدخل إلى عالم الأحمال والقلق حاملاً معه هموم العالم الرقمي إلى فراشه. النوم، الذي هو ورشة إصلاح الدماغ الأساسية، يُنهب ببطء.
خاتمة: نحو تعايش واعٍ
الجهاز نفسه ليس شراً، بل هو مرآة تضخم وتسرع عمليات كانت موجودة دائماً: حب الاستطلاع، الحاجة للانتماء، البحث عن الهوية. التحدي ليس في إلغاء البوابة، بل في تعليم الناشئة كيف يعبرونها بوعي، وكيف يعودون. كيف يميزون بين الضجيج الرقمي والحوار الحقيقي، بين الإشعار العاجل والهدف الأصيل.
في النهاية، الهاتف الذكي هو أول آلة في التاريخ التي نمنحها مكاناً في فراشنا، وجيبنا، وعلاقاتنا، وكيمياء أدمغتنا.
جامعة المستقبل الجامعه الاولى في العر اق