يُعد علم البصريات من أقدم العلوم التي حاول الإنسان من خلالها فهم العالم المحيط به، إذ ارتبط منذ العصور الأولى بمحاولات تفسير الضوء والرؤية والظواهر المرتبطة بهما. وقبل ظهور المنهج العلمي الحديث، تناولت الحضارات القديمة علم البصريات من منطلقات فلسفية ودينية وعملية، فكانت ملاحظاتهم وأفكارهم اللبنة الأولى التي ساهمت في تطور هذا العلم لاحقًا. وقد اختلفت مقاربات البصريات من حضارة إلى أخرى، لكنها اشتركت جميعًا في السعي لفهم طبيعة الضوء وتأثيره في الإنسان والكون.
البصريات في الحضارة المصرية القديمة
اهتم المصريون القدماء بالضوء بوصفه عنصرًا مقدسًا مرتبطًا بالشمس، التي عُدّت مصدر الحياة. وقد انعكس هذا الاهتمام في العمارة الدينية، حيث صُممت المعابد بطريقة تسمح لأشعة الشمس بالدخول في أوقات محددة من السنة، مثل تعامد الشمس على قدس الأقداس.
كما استخدم المصريون المرايا المصنوعة من النحاس أو البرونز المصقول، ما يدل على فهمهم العملي لانعكاس الضوء. ورغم عدم وجود نظريات علمية مكتوبة حول البصريات، فإن تطبيقاتهم العملية تشير إلى معرفة مبكرة بخصائص الضوء.
البصريات في الحضارة البابلية
ارتبطت دراسة الضوء في الحضارة البابلية بعلم الفلك، حيث كان البابليون مهتمين برصد الأجرام السماوية وحركتها. وقد تطلب ذلك فهمًا أوليًا لتأثير الضوء في الرؤية والملاحظة. استخدم البابليون حسابات دقيقة لمواقع النجوم والكواكب، ما يدل على إدراكهم لأهمية الضوء في نقل المعلومات البصرية. ومع ذلك، بقيت تفسيراتهم محكومة بالإطار الفلكي والديني أكثر من كونها علمية تجريبية.
البصريات في الحضارة اليونانية
تُعد الحضارة اليونانية الأكثر إسهامًا في وضع الأسس النظرية لعلم البصريات في العصور القديمة. فقد حاول الفلاسفة الإغريق تفسير الرؤية والضوء باستخدام العقل والمنطق.
• فيثاغورس وأتباعه: اعتقدوا أن الرؤية تحدث نتيجة خروج أشعة من العين نحو الأجسام المرئية.
• أفلاطون: تبنّى فكرة تفاعل نور يخرج من العين مع ضوء خارجي صادر من الأجسام.
• أرسطو: خالف هذا الرأي، واعتبر أن الرؤية تحدث بدخول الضوء من الأجسام إلى العين عبر وسط شفاف، وهو تصور أقرب إلى الفهم العلمي الصحيح.
أما إقليدس فقد قدّم معالجة هندسية للبصريات، ودرس انعكاس الضوء وانتشاره في خطوط مستقيمة، ووضع قوانين هندسية للرؤية. في حين حاول بطليموس دراسة انكسار الضوء وقياس زواياه عند انتقاله بين أوساط مختلفة، مما مثّل خطوة مهمة نحو الفهم الكمي للظواهر البصرية.
البصريات في الحضارة الصينية
تناولت الحضارة الصينية الضوء من منظور فلسفي وطبيعي، حيث رُبط بمفاهيم الطاقة والحركة. وقد عرفت مبكرًا مبدأ الظلال، ولاحظت أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة، وهو ما ظهر في وصف ظاهرة الكاميرا ذات الثقب بشكل بدائي. ورغم غياب الصياغة الرياضية، فإن الملاحظات الصينية أسهمت في تطور الفهم العملي للضوء.
البصريات في الحضارة الهندية
تناولت النصوص الهندية القديمة الضوء والرؤية في إطار فلسفي وعلمي، حيث أشارت بعض الكتابات إلى أن الضوء ينتقل من الأجسام إلى العين، وليس العكس. كما ارتبطت دراسة الضوء بعلم الفلك والطب، خاصة في تفسير عملية الإبصار وبعض الظواهر الطبيعية
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية