التدريسي م.م أحمد محمد الدليمي
تُعدّ اللغة أداة مركزية في بناء المعرفة الإنسانية ونقلها، ولا يقتصر دورها على التواصل فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تشكيل التصورات الذهنية، وصياغة المفاهيم، والتأثير في أنماط التفكير وصناعة القرار. وفي الحقول الاقتصادية على وجه الخصوص، تؤدي اللغة دورًا محوريًا في تفسير الظواهر الاقتصادية، وبناء الخطاب المالي، وتوجيه السياسات العامة، لما تحمله من قدرة على التأثير والإقناع وبناء الثقة. ومن هنا تأتي أهمية اللغة العربية بوصفها لغة علمية وثقافية قادرة على استيعاب المفاهيم الاقتصادية الحديثة، والمساهمة في بناء خطاب اقتصادي عربي رصين يدعم عملية اتخاذ القرار على المستويين المؤسسي والحكومي.
.اللغة بوصفها إطارًا معرفيًا في الاقتصاد
تشكل اللغة الإطار الذي تُبنى من خلاله المفاهيم الاقتصادية، إذ إن المصطلحات والتعابير ليست مجرد ألفاظ محايدة، بل تحمل في طياتها دلالات معرفية وثقافية تؤثر في فهم الظواهر الاقتصادية وتفسيرها. فاختيار المصطلح المناسب، ودقة الصياغة، ووضوح المفهوم، جميعها عناصر تسهم في بناء وعي اقتصادي سليم، وتساعد على تجنب اللبس وسوء الفهم، لاسيما في القضايا ذات الطبيعة الفنية كالتضخم، والركود، والسيولة، والاستثمار، والتنمية المستدامة.
وتبرز أهمية اللغة هنا في كونها أداة لتبسيط المفاهيم الاقتصادية المعقدة وتحويلها إلى خطاب قابل للفهم من قبل صُنّاع القرار والجمهور على حد سواء، مما يعزز من كفاءة التواصل بين الخبراء الاقتصاديين والجهات التنفيذية.
.الخطاب الاقتصادي العربي بين الدقة والتأثير
يتسم الخطاب الاقتصادي بكونه خطابًا إقناعيًا بقدر ما هو علمي، إذ لا يقتصر على عرض الأرقام والمؤشرات، بل يتضمن تفسيرها وتأطيرها ضمن سياق لغوي يسهم في توجيه الرأي العام وصناعة التوقعات المستقبلية. وفي هذا السياق، تؤدي اللغة العربية دورًا مهمًا في بناء خطاب اقتصادي متوازن يجمع بين الدقة العلمية وقوة التأثير البلاغي.
إن حسن الصياغة اللغوية للتقارير الاقتصادية والبيانات الرسمية يسهم في تعزيز المصداقية المؤسسية، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، كما أن الأسلوب اللغوي الرصين يقلل من احتمالات سوء التأويل، ويحد من انتشار الفهم الخاطئ للسياسات الاقتصادية.
.اللغة وصناعة القرار الاقتصادي
تعتمد عملية اتخاذ القرار الاقتصادي على المعلومات والتقارير والتحليلات، وجميعها تُقدَّم من خلال اللغة. ومن ثمّ، فإن جودة الصياغة اللغوية للتقارير الاقتصادية تمثل عنصرًا مؤثرًا في فهم صُنّاع القرار للواقع الاقتصادي، وفي تقديرهم للبدائل المتاحة، وفي اختيارهم للسياسات الأنسب.
فاللغة الدقيقة والواضحة تسهم في تقديم صورة أكثر واقعية للمعطيات، وتساعد على تقليل الغموض، كما أن اللغة المعيارية الرصينة تضمن توحيد المفاهيم والمصطلحات بين الجهات المختلفة، مما يعزز من الاتساق في القرارات والسياسات الاقتصادية.
.إشكالية المصطلح والترجمة في الاقتصاد العربي
تواجه اللغة العربية في المجال الاقتصادي تحديات متعددة، من أبرزها إشكالية ترجمة المصطلحات الاقتصادية الحديثة، وتعدد المقابلات العربية للمصطلح الواحد، مما قد يؤدي إلى ارتباك مفاهيمي وضعف في توحيد الخطاب الاقتصادي. وتبرز هنا أهمية الجهود المؤسسية والمعجمية لتوحيد المصطلحات الاقتصادية، وتطوير معاجم متخصصة، بما يسهم في تعزيز الدقة والاتساق في الخطاب الاقتصادي العربي.
كما أن الاستثمار في التعريب العلمي، وتحديث المصطلح الاقتصادي العربي بما يتناسب مع التطورات العالمية، يمثل خطوة أساسية نحو بناء اقتصاد معرفي يعتمد على لغة علمية قادرة على مواكبة المستجدات.
.نحو خطاب اقتصادي عربي فاعل
إن تطوير الخطاب الاقتصادي العربي يتطلب تكاملًا بين الخبرة الاقتصادية والكفاءة اللغوية، بحيث يُسهم المتخصصون في الاقتصاد واللغة معًا في بناء نصوص وتقارير تجمع بين العمق العلمي وسلامة الصياغة. ويُعدّ ذلك مدخلًا مهمًا لتعزيز جودة المحتوى الاقتصادي العربي، ورفع مستوى الوعي المالي، ودعم صُنّاع القرار بنصوص دقيقة وواضحة.
أن اللغة العربية ليست مجرد وعاء لنقل المعرفة الاقتصادية، بل هي شريك فاعل في تشكيل الخطاب الاقتصادي وصناعة القرار. فبين البيان والميزان، تتجلى العلاقة التكاملية بين اللغة والاقتصاد، حيث تسهم اللغة في بناء الفهم، وتوجيه السياسات، وتعزيز الثقة، ودعم التنمية. ومن ثمّ، فإن الاستثمار في تطوير اللغة الاقتصادية العربية يمثل استثمارًا في جودة القرار الاقتصادي وفي بناء مستقبل معرفي وتنموي أكثر رسوخًا.