لم تكن النصوص المسمارية، التي دوّنها إنسان وادي الرافدين على ألواح الطين، مجرد سجلات إدارية أو تشريعية جافة، بل عكست بعمق رؤية الإنسان القديم للحياة، بما تحمله من قلقٍ وأمل، خوفٍ وتفاؤل،ويُعدّ التفاؤل أحد القيم الإنسانية البارزة التي تجلّت بوضوح في هذه النصوص، بوصفه تعبيرًا عن الإيمان باستمرارية الحياة وقدرة الإنسان على تجاوز المحن.
ظهر التفاؤل في النصوص الدينية من خلال العلاقة الوثيقة بين الإنسان والآلهة، إذ امتلأت الأدعية والترانيم السومرية والبابلية بطلب الرحمة، وطول العمر، ووفرة الخيرات، ودفع الشرور. وكان الدعاء بحد ذاته فعلًا تفاؤليًا، يعكس ثقة الإنسان بأن القوى الإلهية قادرة على إعادة التوازن إلى العالم، وأن الغد يحمل فرصة أفضل من اليوم. فكثيرًا ما تُختتم الأدعية بعبارات توحي بالرجاء والنور بعد الظلمة، والشفاء بعد المرض.
أما في النصوص الأدبية، مثل الحكم والأمثال، فقد تجلّى التفاؤل بوصفه حكمة حياتية، إذ دعت هذه النصوص إلى الصبر، والعمل، وعدم الاستسلام لليأس، مؤكدة أن المشقة مؤقتة وأن الخير قد يأتي بعد طول انتظار، وكان الإنسان الرافديني يدرك قسوة الطبيعة وتقلبات الزمن، لكنه آمن بأن المثابرة والالتزام بالقيم الأخلاقية يفتحان أبواب الخلاص والنجاح.
وفي النصوص القانونية، وعلى رأسها شريعة حمورابي، يظهر التفاؤل في الإيمان بالعدالة باعتبارها أساس استقرار المجتمع، فسنّ القوانين وتنظيم العلاقات بين الناس يعكسان رؤية إيجابية للمستقبل، مفادها أن النظام والإنصاف قادران على حماية الضعيف، وردع الظلم، وبناء مجتمع يسوده الأمان، إن وجود القانون نفسه دليل على تفاؤل الإنسان بقدرة العقل البشري على تهذيب الحياة وتنظيمها.
كما يتجلى التفاؤل في النصوص التعليمية التي وُجّهت إلى الكتبة والطلاب، حيث ارتبط العلم بالارتقاء الاجتماعي والمكانة المرموقة، إذ آمن أهل بلاد الرافدين بأن المعرفة طريق المجد، وأن الكتابة تمنح الإنسان خلودًا رمزيًا يتجاوز حدود الزمن، وهو أسمى أشكال التفاؤل بالمستقبل.
إن التفاؤل في النصوص المسمارية ليس حالة عابرة، بل هو موقف حضاري متجذر، يعكس وعي الإنسان القديم بذاته وبالعالم من حوله ورغم ما واجهه من حروب وكوارث طبيعية وأوبئة، ظلّ يدوّن كلماته على الطين وهو مؤمن بأن الحياة تستحق الأمل، وأن الغد يمكن أن يكون أكثر إشراقًا. وهكذا تبقى النصوص المسمارية شاهدًا خالدًا على أن التفاؤل قيمة إنسانية رافقت الحضارة منذ فجر التاريخ
رئيس قسم الآثار الدكتورة أنغام سليم الدليمي تكتب مقالة عن (التفاؤل في النصوص المسمارية: رؤية حضارية للحياة والمستقبل)
جامعه المستقبل الاولى في العراق