الدكتورة الاختصاص زينب علي حسين
اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي معقّد يظهر في مراحل الطفولة المبكرة، ويؤثر بصورة أساسية في مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي، والسلوك، وأنماط التفاعل الاجتماعي. ويُعد من الاضطرابات الممتدة مدى الحياة، إلا أن شدته وخصائصه تختلف بشكل ملحوظ من شخص لآخر، ولهذا يُستخدم مصطلح “الطيف” للدلالة على هذا التنوع الكبير في الأعراض والقدرات. فقد يتمتع بعض الأفراد بقدرات معرفية متميزة في مجالات محددة، في حين يحتاج آخرون إلى دعم يومي مستمر.
غالبًا ما يواجه المصابون صعوبات في فهم الإشارات الاجتماعية مثل تعابير الوجه ونبرة الصوت، وقد يجدون تحديًا في بدء المحادثات أو الاستمرار فيها. كما يظهر لديهم ميل واضح إلى التمسك بالروتين اليومي، ويشعرون بالانزعاج الشديد عند حدوث تغييرات مفاجئة. إضافة إلى ذلك، قد يعانون من حساسية زائدة أو منخفضة تجاه المؤثرات الحسية، كالأصوات المرتفعة، أو الأضواء الساطعة، أو بعض الروائح والملامس، مما يؤثر في تفاعلهم مع البيئة المحيطة.
تبدأ علامات التوحد عادة بالظهور قبل سن الثالثة، ومن أبرزها ضعف التواصل البصري، وعدم الاستجابة للاسم، وتأخر تطور اللغة أو فقدان بعض المهارات المكتسبة سابقًا، إلى جانب سلوكيات تكرارية مثل تكرار الكلمات (المصاداة)، أو الحركات النمطية كرفرفة اليدين أو الدوران حول النفس. كما قد يواجه الطفل صعوبة في اللعب التخيلي أو التفاعل الجماعي مع أقرانه. وقد تستمر هذه السمات إلى مرحلة المراهقة والبلوغ، لكن حدّتها قد تقل بفضل التدخل المبكر والتأهيل المناسب.
تشير الأبحاث العلمية إلى أن أسباب اضطراب طيف التوحد متعددة العوامل، حيث تلعب العوامل الوراثية دورًا مهمًا، إضافة إلى اختلافات في بنية الدماغ ووظائفه. كما قد تسهم بعض العوامل البيئية المرتبطة بفترة الحمل أو الولادة في زيادة احتمالية الإصابة. ومن الضروري التأكيد على أن الدراسات العلمية أثبتت عدم وجود أي علاقة بين تلقي اللقاحات وحدوث التوحد.
يعتمد التشخيص على تقييم سريري شامل يقوم به فريق متعدد التخصصات يضم أطباء واختصاصيي نفس وتخاطب، ويستند إلى ملاحظة سلوك الطفل وتقييم نموه مقارنة بالمراحل النمائية الطبيعية. ولا يوجد علاج شافٍ نهائي للتوحد، إلا أن التدخل المبكر والمكثف يُعد حجر الأساس في تحسين المهارات اللغوية والاجتماعية والسلوكية. وتشمل البرامج العلاجية العلاج السلوكي التطبيقي، وعلاج النطق والتخاطب، والعلاج الوظيفي، والدعم التربوي الفردي، إضافة إلى الإرشاد الأسري. وفي بعض الحالات، قد يُستخدم العلاج الدوائي للسيطرة على أعراض مصاحبة مثل فرط الحركة، أو القلق، أو اضطرابات النوم.
إن تعزيز الوعي المجتمعي بطيف التوحد، وتوفير بيئة داعمة وشاملة، يسهمان في تمكين الأفراد المصابين من تطوير إمكاناتهم. ومع الرعاية المناسبة، والدعم الأسري والتعليمي المستمر، يستطيع الكثير من المصابين باضطراب طيف التوحد تحقيق درجات جيدة من الاستقلالية، والاندماج في المجتمع، ومواصلة التعليم أو العمل، والعيش حياة ذات جودة ومعنى.