في عالم سريع الإيقاع، أصبح الضغط النفسي جزءًا يوميًا من حياتنا. نعتقد أحيانًا أن التوتر مجرد شعور عابر، أو حالة نفسية مؤقتة، لكن الحقيقة أن الجسد لا ينسى. فكل فكرة مقلقة، وكل حزن مكبوت، وكل خوف غير مُعبَّر عنه، يترك أثره بصمت داخلنا.
الضغط النفسي ليس ضعفًا، بل هو استجابة بيولوجية معقدة. عند التعرض للتوتر، يفرز الجسم هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، التي تُعد ضرورية في حالات الخطر. لكنها عندما تستمر لفترات طويلة، تتحول من وسيلة حماية إلى سبب في اختلال التوازن الداخلي.
أظهرت الدراسات أن التوتر المزمن قد يؤثر على جهاز المناعة، ويزيد من احتمالية الإصابة بالأمراض الالتهابية، واضطرابات النوم، ومشاكل الجهاز الهضمي، وحتى الأمراض الجلدية. الجسد أحيانًا يصرخ بطريقة مختلفة — صداع متكرر، أرق، تعب دون سبب واضح، أو تفاقم أمراض مزمنة.
الجانب الأخطر في الضغط النفسي أنه غالبًا ما يكون صامتًا. قد يبدو الشخص طبيعيًا من الخارج، لكنه يعيش صراعًا داخليًا عميقًا. كبت المشاعر، ومحاولة التظاهر بالقوة الدائمة، واستمرار التفكير في الأمور المؤلمة دون تفريغ صحي، كلها عوامل تُراكم العبء النفسي.
لكن الخبر الجيد أن الجسد أيضًا يستجيب للطمأنينة. كما يتأثر بالتوتر، يتأثر بالهدوء. تقنيات بسيطة مثل التنفس العميق، المشي المنتظم، الكتابة التعبيرية، التأمل، أو حتى الحديث مع شخص موثوق، يمكن أن تُخفض مستويات الكورتيزول وتعيد التوازن للجهاز العصبي.
الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل ضرورة. فالعقل والجسد ليسا كيانين منفصلين، بل نظام واحد متكامل. وعندما نهتم بمشاعرنا ونعطي أنفسنا مساحة للراحة والتعبير، فإننا لا نحمي قلوبنا فقط، بل نحمي أجسادنا أيضًا.
في النهاية، قد لا نستطيع منع الضغوط من حياتنا، لكن يمكننا أن نختار كيف نتعامل معها. أن نتعلم الإصغاء لأنفسنا، وأن نُدرك أن طلب الدعم قوة لا ضعف، وأن الراحة حق وليست مكافأة.
لأن الجسد، في النهاية، لا يكذب.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
قسم تقنيات المختبرات الطبية الاول في التصنيف الوطني العراقي .