الإمام علي بن أبي طالب (سيرة المجد وفلسفة "الكرار")
في حضرة الذكرى التي لا تشيخ، نجد أنفسنا أمام قامةٍ لم تكن مجرد فصلٍ في كتاب التاريخ، بل كانت هي المداد والقرطاس معاً؛ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي ولد في رحم القداسة "الكعبة" ليكون وجه الوجهة، وعين اليقين، إن الحديث عن علي ليس سرداً لسيرة رجل خاض الغمار، بل هو تتبع لمسار كوني تجسدت فيه الإنسانية في أبهى صورها التجريدية، حيث تلتقي في شخصه المتناقضات الظاهرية لتشكل وحدةً منسجمة؛ فهو الزاهد الذي ملك الدنيا فلم تملكه، وهو القاضي الذي لم تأخذه في الله لومة لائم، وهو قبل كل شيء "الكرار" الذي أعاد صياغة مفهوم القوة في الوجدان البشري.
حين نغوص في دلالة "الكرار" لغوياً واصطلاحاً، فإننا لا نقف عند مجرد اشتقاق من مادة (ك ر ر) التي تعني الرجوع والعودة، بل نحن أمام فلسفة "الإقدام المتجدد"، الكرار في لسان العرب ليس فقط من يهاجم، بل هو من يمتلك قدرة استثنائية على إعادة إنتاج الهجوم بقلب لا يتسرب إليه الوهن، هو الذي يجعل من "الكرة" فاعلية مستمرة لا تنطفئ (لسان العرب: ابن منظور: ج5، ص135)، وفي الاصطلاح العسكري والروحي، الكرار هو نقيض "الفرار"، لكنه نقيضٌ يتجاوز الحركة البدنية إلى الثبات الوجودي؛ فالفرار هزيمة للروح قبل أن يكون انسحاباً للأقدام، والكرار انتصار للإرادة قبل أن يكون ظفراً في الميدان، لقد كان علي (عليه السلام) يكرّ على الخصم لا رغبة في سفك دم، بل كراً على الباطل ليحيله هباءً منثوراً، وهنا تكمن الدهشة؛ أن تكون القوة غاية في الرحمة، وأن يكون السيف أداة للسلام.
وتتجلى ذروة هذه الدهشة في المنطق الميتافيزيقي الذي كان يدير به الإمام دفة المعارك، حيث لم تكن شجاعته اندفاعاً غريزياً، بل كانت نتاج عقيدة راسخة في مفهوم القدر، فعندما سُئل (عليه السلام) عن سر ثباته الأسطوري ولماذا هو دائماً "كرار غير فرار" في حين أن القتال بطبعه "كر وفر"، أفصح عن تلك الفلسفة العميقة بقولته المشهورة: "أيُّ يومَيَّ من الموت أفر؟ أيومٌ لم يُقدّر، أم يومٌ قُدّر؟ أما يومٌ لم يُقدّر فلا أرهبه، وأما يومٌ قُدّر فلا ينجي منه الحذر" (ديوان الإمام علي: جمع وتحقيق: ص62 / كنز العمال: المتقي الهندي: ج13، ص124)، إن هذا المنطق يفكك مفهوم الخوف من أساسه؛ فإذا كان الموت لم يُكتب فلا داعي للهرب، وإذا كان قد كُتب فلا مفر منه بالهرب، فصار الكرار هنا هو العقل الذي تحرر من أوهام النجاة الزائفة ليعيش حرية الموقف الكاملة.
تجلى هذا الوصف النبوي العظيم في خيبر، حين استعصت القلاع وتراجع الأبطال، فخرجت الكلمة الفصل من فم النبوة لترسم ملامح علي للأبد: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، يفتح الله على يديه" (صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري: ج5، ص76)، إن هذه الشهادة النبوية لم تكن مجرد توسيم عسكري، بل كانت كشفاً عن طبيعة العلاقة بين "الكرار" وبين "الحب الإلهي"، فمن يحب الله لا يفر، لأن الفرار من الميدان هو فرار من المحبوب، والكرار هو الذي يرى وجه الله في فوهات السيوف، فلا يزيده وطيس المعركة إلا اقتراباً، في تلك اللحظة التاريخية، اقتلع علي باب خيبر لا بقوة جسدية فحسب، بل بقوة ملكوتية، مصداقاً لقوله: "والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدية، ولا حركة غذائية، ولكن أيدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضيئة" (الأمالي: الشيخ الصدوق: ص514).
إن سيرة الإمام علي (عليه السلام) تفيض بالدهشة حين نقارن بين "كراريته" في الميدان وبين رقته في المحراب، هذا الذي يرتعد منه فرسان العرب في "بدر" و"الأحزاب"، هو نفسه الذي يرتعد وجداً وخوفاً من الله في سجدات الليل، وهو الذي يمسح بيده الحانية على رؤوس اليتامى، إن هذه الثنائية هي التي جعلت من لقب "الكرار" صفة كونية؛ فهو الكرار في العلم الذي لا ينفد، والكرار في العدل الذي لا يميل، يذكر التاريخ في واقعة صفين كيف كان يوصي جيشه بألا يبدؤوا القتال، وألا يجهزوا على جريح، وألا يهتكوا ستراً، فكان كراراً في الأخلاق قبل أن يكون كراراً في النزال (وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري: ص203)، هنا ندرك أن "الكرار" ليست صفة للبطش، بل هي صفة للثبات على المبدأ مهما بلغت كلفة الصمود.
وفي عمق البحث الأكاديمي الرصين، نجد أن "الكرار" ارتبطت بالبيان أيضاً، فكان علي "كرار الكلمة"، خطبه في "نهج البلاغة" هي كرات متتالية على الجهل والظلم، كلمات تتدفق كالسيل، يكرّ فيها بالاستعارة على الحقيقة، وبالبلاغة على اللحن، حتى أضحى كلامه "دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق" (شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي: ج1، ص24)، إن قدرة الإمام على العودة إلى جوهر الأشياء في خطبه، وتكرار مفاهيم التوحيد والعدل بصيغ تبهر العقول، هي ممارسة لغوية لصفة الكرار؛ فهو لا يترك المعنى حتى يفتحه ببيانه، كما لم يترك الحصن حتى فتحه بسنانه.
لقد كان علي (عليه السلام) يمثل "المركز" في دائرة الوجود الإسلامي بعد النبي، فإليه ترجع العلوم، ومنه تتفرع طرق الزهد والعرفان، إن صفة "الكرار" هنا تأخذ بعداً فلسفياً؛ فهي تعبر عن "العود الأبدي" للحق، فكلما حاول التاريخ أن يطمس معالم العدل، انبرى نهج علي ليكون هو "الكرار" الذي يعيد للعدل هيبته، لم يكن علي يقاتل من أجل سلطة، بل كان يقاتل ليعيد الخلافة إلى مسارها القيمي، فكان كراراً على أطماع النفس وبهرج الدنيا، قائلاً لدنياه: "يا دنيا غري غيري، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها" (نهج البلاغة: الشريف الرضي: حكمة رقم 77)، هذا الطلاق للدنيا هو ذروة الكرارية؛ لأنه انتصار على العدو الأكبر وهو "الأنا".
إننا حين نتأمل في سيرة هذا الإمام العظيم، نجد أن لقب "الكرار" قد تجذر في الوعي الجمعي كرمز لكل من يرفض الانكسار، إنها صفة تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار رغم الهزائم الظاهرية، فعلي الذي استشهد في محرابه كان في قمة "كراريته"، إذ ختم حياته بصرخة النصر الوجودي: "فزت ورب الكعبة" (الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري: ج1، ص160)، لقد فتح بموته حصون القلوب كما فتح بخيبر حصون اليهود، وبقي اسمه يتردد في الآفاق، ليس كذكرى تاريخية، بل كقوة فاعلة تحرض الأجيال على الثبات والكرّ في وجه كل صنوف البغي.
ختاماً، يظل الإمام علي (عليه السلام) هو النص الذي لا تنتهي تأويلاته، والكرار الذي لا يدرك شأوه، إن البحث في سيرته يتطلب غوصاً في أعماق اللغة والروح معاً، لنفهم كيف يمكن لاسم واحد أن يختصر شجاعة أمة، وحكمة دهر، وعشق إلهي لا يحد، لقد كان علي "الكرار" في كل شيء، وبقي أثره يكرّ على العصور، فكلما تقدم الزمان، وجد الناس في علي معاني جديدة، وكأنه يفتح في كل عصر خيبراً جديدة من الجهل والظلم.