لم يكن العراق بالنسبة لي مجرد وطن أعيش فيه، بل كان نصاً يتشكل أمامي منذ ولادتي في منتصف ستينيات القرن الماضي ، نصاً كتبه التاريخ بالحروب، وصاغته الجغرافيا بالحدود، وأعاد إنتاجه المجتمع بالذاكرة. لقد تعايشت مع الحروب لا كأحداث عابرة، بل كإيقاع يومي يترك أثره في الوعي والهوية، فصار العراق بالنسبة لي قصيدة تتأرجح بين الصمت والبوح، بين لغة الظل التي تحاول أن تحمي الذات، ولغة الضوء التي تفرضها الوقائع. ومن هنا، حين أكتب عن ثنائية الحياد والانخراط، فإنني لا أتناول مجرد مفاهيم سياسية، بل أقرأ خطاباً وجودياً يحدد معنى العراق في زمن العواصف، خطاباً يضعه بين أن يكون مؤلفاً لنصه أو أن يظل نصاً يُكتب بيد الآخرين.
الحياد في تجربتنا ليس انسحاباً أو ضعفاً، بل هو محاولة لتثبيت السيادة وتجنب الانجرار إلى محاور متصارعة، وهو خيار يرتبط بذاكرة مثقلة بآثار الحروب، ويعكس رغبة في حماية الداخل من تداعيات الخارج. أما الانخراط فهو الوجه الآخر للمعادلة، حيث يجد العراق نفسه مضطراً إلى المشاركة في التفاعلات الإقليمية، سواء عبر التحالفات أو الاصطفاف أو الانفتاح على قوى خارجية. الانخراط قد يمنح فرصاً لتعزيز النفوذ، لكنه يضعنا في مواجهة تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة، ويهدد بتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات.
من منظور نقدي، أقرأ هذه الثنائية بوصفها خطاباً للهوية الوطنية، حيث يظهر الحياد في لغة الوساطة والدعوة إلى الحوار، بينما يتجلى الانخراط في مواقف عملية تفرضها الضغوط الإقليمية والدولية. العراق هنا ليس مجرد لاعب سياسي، بل نص سردي تتنازعه استعارات الظل والضوء، النار والماء، البقاء والفعل. هذه الجدلية تجعل من الحياد والانخراط أدوات لإعادة إنتاج الهوية الوطنية في زمن العواصف، وتكشف أننا نواجه اختباراً وجودياً يتجاوز السياسة ليصل إلى معنى وجودنا ذاته.
لقد تعايشت مع هذه التحولات وأدركت أن المستقبل لن يكون سهلاً، وأن العراق إذا لم يبتكر خطاباً جديداً يتجاوز ثنائية الحياد والانخراط، سيظل أسير جدلية لا تنتهي بين الاستقلال والتبعية. المطلوب اليوم هو صياغة رؤية ثالثة يمكن أن أسميها "الحياد الفاعل"، حيث لا يكون العراق متفرجاً ولا تابعاً، بل وسيطاً يمتلك زمام المبادرة ويكتب نصه السياسي بيده. هذه الرؤية تستمد قوتها من التاريخ والثقافة والموقع الجغرافي، وتعيد تعريف الحياد والانخراط لا كخيارات مفروضة، بل كأدوات لصياغة هوية سياسية جديدة.
الخاتمة التي أصل إليها تؤكد أن العراق أمام امتحان وجودي حقيقي: إما أن ينجح في صياغة خطاب مستقل يعكس إرادته الوطنية ويمنحه مكانة فاعلة في النظام الإقليمي، أو أن يظل نصاً يُكتب بيد الآخرين وفق مصالحهم ورؤاهم. إن إعادة تعريف هذه المتغيرات في إطار رؤية استراتيجية شاملة هو السبيل الوحيد ليكون العراق مؤلفاً لخطابه، لا قارئاً مجبراً على تلاوة ما يُملى عليه، وليقدم نفسه للعالم بوصفه خطاباً مستقلاً له دلالته الخاصة.