نحن نقف على حافة تحول جذري في علاقتنا بالإنترنت، تحول قد يجعل من العقد الذي نعيشه الآن آخر عهدنا بالشبكة كما عرفناها عبر الشاشات المسطحة التي هيمنت على حياتنا طوال ثلاثة عقود. فبعد أن اعتدنا على النقر والتمرير والانتقال بين النوافذ في فضاء ثنائي الأبعاد محصور في إطار زجاجي، بدأت ملامح نموذج جديد يرتكز على الدمج بين الجسدي والرقمي، حيث تختفي الشاشة تدريجيًا لتحل محلها واجهات تعمل بالصوت، والإيماءات، وتتبع العين، والواقع المعزز الذي ينسج البيانات مباشرة في نسيج محيطنا المادي. لم يعد السؤال عن أي تطبيق سنفتح، بل عن أي طبقة من الواقع نختار أن نراها في كل لحظة. هذا التحول لا يتعلق فقط بتقنيات النظارات الذكية أو سماعات الواقع المختلط، بل يتعلق بمنطق أعمق: الإنترنت يتحول من مكان نذهب إليه إلى بيئة نعيش فيها. مع صعود النماذج اللغوية الكبيرة والوكلاء المستقلين، ستصبح الخوارزميات قادرة على التصرف نيابة عنا في الخلفية، دون حاجة لأن نطلب منها ذلك عبر واجهة مرئية، مما يعني أن فكرة "التصفح" نفسها قد تصبح أثرًا تاريخيًا. لكن هذا المستقبل يحمل في طياته معضلات وجودية: إذا اختفت الشاشة، أين تذهب حدود الخصوصية؟ وكيف نمارس حقنا في الانتباه عندما لم يعد هناك شاشة نغلقها لنعلن انفصالنا؟ كما أن التحول إلى إنترنت غير مرئي سيحدث انقسامًا حادًا بين من يملكون القدرة على شراء هذه البيئات الغامرة ومن يظلون عالقين في الواجهات القديمة، مما يعيد إنتاج الفجوة الرقمية بثوب جديد أكثر عمقًا. مع ذلك، هناك فرصة لإعادة تصميم العلاقة مع التكنولوجيا من الأساس: بدلًا من أن نكون مستهلكين سلبيين لتيار لا نهائي من المحتوى، قد ننتقل إلى مرحلة تكون فيها التكنولوجيا بمثابة امتداد صامت لإرادتنا، لا أداة لاستنزاف انتباهنا. السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو أن نكرر أخطاء عصر الشاشات، فننتقل من إدمان النقر إلى إدمان البيئات الغامرة دون أن نطور ثقافة الوعي الرقمي اللازمة. لكن السيناريو الطموح يرى أن انحسار الشاشة قد يعيد إلينا ما فقدناه: قدرة أعمق على الحضور في العالم المادي، مع استفادة من الذكاء المتصل دون أن يفرض نفسه كطبقة وسطى بيننا وبين الواقع. نحن إذن لسنا في نهاية الإنترنت، بل في نهاية واجهته القديمة. العقد القادم لن يكون عن شاشات أكبر أو أسرع، بل عن قرار جماعي: هل نسمح للإنترنت بأن يصبح نسيجًا شفافًا يخدمنا دون أن نراه، أم نتركه يتحول إلى سجن أكثر أناقة لا نستطيع الهروب منه لأنه لم يعد له باب نغلقه؟ الإجابة لن تكتبها شركات التكنولوجيا وحدها، بل ستتحدد بعاداتنا، وقوانيننا، ومدى استعدادنا لاستعادة السيطرة على شروط اتصالنا بالعالم الرقمي.