هل يمكن أن ننسى حقًا ما يُكتب عنا في الفضاء الرقمي، أم أن الذاكرة الإلكترونية أقوى من أي محاولة للنسيان؟
في زمنٍ أصبحت فيه البيانات الشخصية سلعةً تُباع وتشترى، يبرز مفهوم "حق النسيان الرقمي" كصرخة أخلاقية في وجه الإساءة، وكوسيلة لاستعادة كرامة الإنسان في عالمٍ لا يرحم.
هذا الحق لا يعني محو التاريخ أو تزويره، بل هو محاولة لإعادة التوازن بين حرية التعبير وحق الفرد في حياة جديدة بلا قيود الماضي.
لقد تحولت الإساءة الرقمية إلى سلاحٍ يطارد الأفراد، سواء عبر التشهير، التنمر الإلكتروني، أو نشر معلومات قديمة فقدت سياقها.
وهنا يأتي "حق النسيان" ليعيد الاعتبار إلى الإنسان، فيمنحه فرصة للبدء من جديد دون أن يُحاكم إلى الأبد بما ارتكبه أو بما نُشر عنه..
لكن السؤال الأعمق: هل يمكن أن يتحقق هذا الحق في عالمٍ تحكمه شركات التكنولوجيا العملاقة، حيث تُخزَّن البيانات في خوادم لا تعرف النسيان؟
وهنا يفتح بابًا فلسفيًا وسياسيًا عميقًا: هل يمكن أن يتحقق "حق النسيان" في عالمٍ تتحكم فيه شركات التكنولوجيا العملاقة وتُخزَّن فيه البيانات على خوادم لا تعرف الزوال؟
التحدي الأساسي هو أن البنية التقنية لهذه الشركات قائمة على جمع البيانات وتخزينها لأغراض متعددة: تحسين الخدمات، استهداف الإعلانات، أو حتى تطوير الذكاء الاصطناعي. هذا يجعل فكرة "المحو الكامل" شبه مستحيلة تقنيًا، لأن البيانات غالبًا ما تُنسخ وتُوزَّع عبر مراكز بيانات متعددة حول العالم..
من الناحية القانونية، هناك محاولات مثل "الحق في النسيان" الذي أقرّه الاتحاد الأوروبي في اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)الاوربي، والذي يتيح للأفراد طلب حذف بياناتهم.
لكن تطبيق هذا الحق يواجه عقبات عملية: كيف يمكن التأكد من أن كل نسخة من البيانات قد أُزيلت بالفعل؟
من الناحية السياسية والاجتماعية، المسألة تتعلق بميزان القوى: الأفراد والمجتمعات يطالبون بحقوق الخصوصية، بينما الشركات العملاقة ترى في البيانات موردًا اقتصاديًا لا يمكن التفريط فيه..
يمكن القول إن الحق في النسيان في العصر الرقمي ليس مستحيلًا، لكنه يظل حقًا نسبيًا، يعتمد على التشريعات، ضغط المجتمع المدني، وشفافية الشركات. ربما لن يتحقق بشكل مطلق، لكنه قد يُمارس جزئيًا عبر سياسات الحذف، تقليل جمع البيانات، أو تقنيات مثل التشفير والتخزين المؤقت.
نرى أن الحل يجب أن يكون قانونيًا (إجبار الشركات على الالتزام بحق النسيان) بنص قانوني من المشرع العراقي يتضمن" حذف البيانات أو المعلومات الشخصية من الإنترنت عند طلب صاحبها " لكن استعادة الأخلاق الرقمية تتطلب أكثر من مجرد تشريع؛ إنها تحتاج إلى وعي جماعي، وإلى ثقافة تحترم الإنسان قبل أن تُقدّس المعلومة والى برامج الحذف التلقائي للمحتويات التي تؤثر سلباً على الفرد والمجتمع.
إن "حق النسيان الرقمي" ليس مجرد مطلب قانوني، بل هو مشروع أخلاقي يعيد للإنسان إنسانيته، ويضع حدودًا لسطوة التقنية. فكما أن لكل إنسان حقًا في أن يُذكر، له أيضًا حق في أن يُنسى حين يريد أن يبدأ من جديد.
بقلم م.م صبا صباح تايه
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية