يُعدّ الإنسولين حجر الزاوية في التنظيم الاستقلابي للغلوكوز، ويُشكل غيابه أو نقص فعاليته الأساس المرضي لـ Diabetes mellitus، وهو أحد أكثر الاضطرابات المزمنة انتشاراً على مستوى العالم. تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري لعام 2023 إلى أن عدد المصابين بالسكري بلغ نحو 537 مليون بالغ تتراوح أعمارهم بين 20 و79 عاماً، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 643 مليون بحلول عام 2030 وإلى 783 مليون بحلول عام 2045، كما يرتبط المرض بأكثر من 6.7 مليون وفاة سنوياً، إضافة إلى أعباء اقتصادية تتجاوز 966 مليار دولار سنوياً كنفقات صحية مباشرة. الإنسولين هو هرمون ببتيدي يتكون من سلسلتين عديدتي الببتيد A وB مرتبطتين بروابط ثنائية الكبريت، ويُفرز من خلايا بيتا في جزر لانغرهانس البنكرياسية، ويؤدي دوراً محورياً في تسهيل دخول الغلوكوز إلى الخلايا العضلية والدهنية، وتنظيم استقلاب الدهون والبروتينات، والمحافظة على الاتزان الاستقلابي العام. إن أي خلل في هذا النظام يؤدي إلى اضطرابات وعائية دقيقة وكبيرة تشمل اعتلال الشبكية والاعتلال الكلوي واعتلال الأعصاب وأمراض القلب والأوعية الدموية، مما يجعل تأمين مصدر مستقر وآمن وفعال للإنسولين ضرورة طبية وصحية عالمية.
شهد إنتاج الإنسولين تحولاً جذرياً منذ اكتشافه عام 1921 على يد بانتنغ وبِست، حيث كان يُستخلص في البداية من بنكرياس الأبقار والخنازير. وعلى الرغم من التشابه البنيوي الكبير بين الإنسولين الحيواني والبشري، فإن اختلاف حمض أميني واحد في الإنسولين الخنزيري وثلاثة أحماض أمينية في الإنسولين البقري مقارنةً بالإنسولين البشري أدى إلى ظهور تفاعلات مناعية وتحسسية لدى نسبة من المرضى، فضلاً عن محدودية القدرة الإنتاجية واعتمادها على مصادر حيوانية واسعة النطاق. وقد ظل هذا النمط من الإنتاج سائداً حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين أحدثت تكنولوجيا الحمض النووي المؤتلف نقلة نوعية في مجال الصناعات الدوائية الحيوية، إذ أُنتج أول إنسولين بشري مُعاد التركيب تجارياً عام 1982، مما مثّل بداية عصر المستحضرات الحيوية المصنعة باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية.
تعتمد تقنية الحمض النووي المؤتلف على الفهم الدقيق لبنية الجين المشفّر للإنسولين وآليات التعبير الجيني في الكائنات الدقيقة. تبدأ العملية بعزل أو تصنيع تسلسل DNA الموافق للجين البشري المسؤول عن إنتاج طليعة الإنسولين (Proinsulin)، ثم إدخاله في ناقل وراثي حلقي يُعرف بالبلازميد. يُقص البلازميد باستخدام إنزيمات تقييد نوعية، ثم يُدمج الجين البشري ضمنه بوساطة إنزيم الربط (DNA ligase)، مكوّناً بلازميداً معاد التركيب. بعد ذلك يُدخل هذا البلازميد إلى خلايا بكتيرية مستقبِلة، وغالباً ما تكون من نوع Escherichia coli، التي تمتاز بسرعة انقسامها، وسهولة زراعتها، وانخفاض تكلفتها التشغيلية، وقابليتها العالية للتعديل الوراثي. عند إدخال البلازميد إلى البكتيريا، تصبح الخلية قادرة على قراءة الشفرة الوراثية البشرية وإنتاج البروتين المقابل بكميات كبيرة داخل مفاعلات حيوية صناعية قد تصل سعتها إلى آلاف الليترات. يُستخلص البروتين الناتج ويخضع لسلسلة معقدة من عمليات التنقية والفصل الكروماتوغرافي وإعادة الطي البروتيني لتكوين البنية ثلاثية الأبعاد الصحيحة، ثم يُحوّل إلى الشكل الصيدلاني المناسب للاستخدام السريري.
في بعض أنظمة الإنتاج، يُستخدم الكائن الخميري Saccharomyces cerevisiae بدلاً من البكتيريا، وذلك لما يوفره من بيئة خلوية حقيقية النواة قادرة على إجراء تعديلات بعد ترجميّة أقرب إلى الخلايا البشرية، مما يُحسّن من جودة البروتين واستقراره. وقد أسهم التنوع في نظم التعبير الجيني في تحسين المردود الإنتاجي وتقليل التكاليف، مع ضمان مستويات عالية من النقاوة الدوائية التي تتجاوز 99% في كثير من المستحضرات التجارية. إن هذا التحول التقني لم يُسهم فقط في القضاء على مشكلة التحسس المناعي المرتبط بالإنسولين الحيواني، بل أتاح أيضاً تطوير نظائر إنسولين معدلة بنيوياً تختلف في سرعة الامتصاص ومدة التأثير، مثل الإنسولين سريع المفعول وطويل المفعول، مما حسّن التحكم السكري وخفّض معدلات الاختلاطات المزمنة.
يتجاوز أثر تكنولوجيا الحمض النووي المؤتلف إنتاج الإنسولين ليشمل طيفاً واسعاً من المستحضرات الحيوية، مثل عوامل التخثر الثامن والتاسع المستخدمة في علاج الهيموفيليا، وهرمون النمو البشري (سوماتروبين)، وهرمون الإريثروبويتين المحفّز لتكوين الكريات الحمر، إضافة إلى السيتوكينات وعوامل تحفيز المستعمرات المستخدمة في معالجة نقص العدلات الناجم عن العلاج الكيميائي. كما أُنتجت إنزيمات علاجية مثل دورناز ألفا لعلاج التليف الكيسي، وألتيبلاز الحالّ للخثرات في حالات الاحتشاء القلبي والسكتة الدماغية، فضلاً عن لقاحات مُعاد تركيبها مثل لقاح التهاب الكبد B. ويُقدّر حجم سوق المستحضرات الدوائية الحيوية عالمياً بمئات مليارات الدولارات سنوياً، ويُعد الإنسولين أحد أبرز مكوناته، حيث يعتمد عليه أكثر من مئة مليون مريض يومياً حول العالم.
إن تسخير البكتيريا المعدلة وراثياً لإنتاج الإنسولين يمثل مثالاً بارزاً على التكامل بين البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية والهندسة الصناعية والطب السريري، ويعكس قدرة العلم الحديث على تحويل المعرفة الجينية إلى تطبيقات علاجية واسعة النطاق ذات أثر صحي واقتصادي عالمي. ومع استمرار التقدم في تقنيات التحرير الجيني مثل CRISPR وتطوير المفاعلات الحيوية الذكية، يُتوقع أن يشهد إنتاج الإنسولين والمستحضرات الحيوية الأخرى مزيداً من التحسين في الكفاءة والتكلفة والاستدامة، مما يعزز العدالة الدوائية ويوسع فرص الوصول إلى العلاج في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
بقلم الدكتوره اصيل هاشم راضي
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات الاهلية