كلية المستقبل الجامعة / قسم القانون <br />ا.د قاسم جبر السوداني <br /><br />"المؤسسات القضائية في الدولة العربية الاسلامية"<br />القضاء لغة : <br /> القضاء لغة : معناها القاطع في الامور المحكم لها ، واقضى القاضي بين الخصوم ، أي قطع بينهم في الحكم .<br /> والقضاء في اللغة : الحكم والالزام ، قال تعالى : " ولولا كلمة سبقت من ربك الى أجل مسمى لقضي بينهم "<br />القضاء اصطلاحاً :<br /> وهو قيام القاضي بالأحكام الشرعية وتنفيذها على أوامر الشرع وقطع المنازعات.<br />القضاء <br /> بالنظر لأهمية القضاء في سياسة الدولة وحياة المجتمع في إقرار العدل وفض النزاعات بين الناس ، ليأمن كل فرد على حقوقه ، بات من الضروري إلقاء نظرة على أهمية حياة المجتمع . <br /><br /><br />أهمية منصب القضاء <br /> لم يستغن الانسان عمن يفصل في قضاياه منذ وجوده على هذه الارض ، حتى يومنا هذا .<br /> ويُعد منصب القضاء من المناصب المهمة في الدولة ، ان لم يكن اهمها ؛ واهميتها تكمن في نشر العدالة وتوفير الطمأنينة لأفراد المجتمع ليأمنوا على أرواحهم واموالهم وحقوقهم وفق ما قررها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه الكريم ، والتي ابرزت أهمية القضاء ومكانته في حياة البشر. وقد أكد الرسول الكريم ( ص ) هذه الحقيقة ، فجاء في الحديث الشريف قوله : " القضاء ثلاثة ، اثنان في النار وواحد في الجنة ، رجل قضى بغير علمٍ فهو في النار ، ورجل قضى بعلمٍ فجار فهو في النار ، ورجل قضى بالحق فهو في الجنة ".<br /> ولأهمية منصب القضاء ، فإنه لا يصلح الا بعقد من الخليفة نفسه . وحتى يصرح بلفظ : " قلدتك أو وليتك أو استخلفتك واستنبتك ".<br /><br /><br /><br />إختصاصات القضاء <br /> أما اختصاصات القاضي وواجباته ، فقد انحصرت بعدة نقاط أهمها : <br />1- الفصل في المنازعات وقطع التشاجر والخصومات .<br />2- استيفاء الحقوق ممن مطل بها ، وايصالها الى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها من أحد وجهين إقرار أو بيّنة . <br />3- ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر ، والحجر على من يرى الحجر لسفه . <br />4- النظر في الاوقاف بحفظ اصولها وتنمية فروعها ، والقبض عليها وصرفها في سبيلها .<br />5- تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع .<br />6- تزويج الايامى بالأكفاء اذا عدَّ من الاولياء ودعين الى نكاح .<br />7- إقامة الحدود على مستحقيها . <br />8- النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية ، واخراج ما لا يستحق من الاجنحة والأبنية . <br />9- تصفح شهوده وامنائه واختيار النائبين عنه من خلفائه في اقرارهم والتعويل عليهم مع ظهور السلامة والاستقامة ، وصرفهم ، والاستبدال بهم مع ظهور الجرح والخيانة . <br />10- التسوية في الحكم بين القوي والضعيف ، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف ، ولا يتبع هواه في تقصير المحق أو ممايلة مبطل<br /><br />شروط منصب القضاء <br /> يشترط في القاضي شروط عدة ، أهمها :<br />1- الاسلام ، فلا يجوز تولية غير المسلم القضاء بين المسلمين ، أما غير المسلمين فيقضي بينهم القاضي المسلم ، أو يعيّن ولي الأمر قاضياً منهم للفصل في خصوماتهم . <br />2- الذكورة ، فليس للمرأة ان تتولى القضاء ، وأجاز أبو حنيفة قضاءها فيما تصلح فيه شهادتها ، أما ابن خلدون فأجاز قضاءها في جميع الأحكام.<br />3- البلوغ ، لأن الصبي في ولاية غيره ، فلا يعقل ان يكون له ولاية على الناس . <br />4- العقل ، فلا يجوز ان يولي القضاء مجنون ، والمراد بالعقل ان يكون صحيح التمييز جيد الفطنة ، بعيداً عن السهو والغفلة ، يتوصل بذكائه الى فصل ما اغلق ، وايضاح ما أُشكِل .<br />5- الحرية ، فلا يجوز للعبد ان يكون قاضياً ، ولا لمن فيه رقّة . <br />6- العلم ، وقد اختلف العلماء في حقيقته ، فمنهم من يرى ان يكون مؤدياً للاجتهاد المطلق ، بينما يرى آخرون ان يكون مجتهداً ، ولو في حدود مذهبه . <br />7- سلامة الحواس ، السمع والبصر والنطق ، واشتراطها ظاهر . <br />8- العدالة ، فالقاضي لا يقبل الاّ شهادة العدل ، فلا يصح ان يكون ناقصاً عن الشهود ، ومن لا تجوز شهادته لا تجوز ولايته ، والمراد بها ان يكون مؤدياً للواجبات الشرعية والمستحبة ، مجتنباً للمحرمات والمكروهات . <br />لمحة تأريخية عن تطور القضاء <br />كان الرسول الكريم محمد ( ص ) هو الحكم الفيصل بين المسلمين ، فهو قاضيهم الاول ، " إذ ان كل شجار أو حدث يخاف فساده ، فإن مردّه الى الله عز وجل والى رسول الله " .<br />ومصادر القضاء في زمن الرسول ( ص ) هي : القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والاجتهاد. ويستدل على ذلك ، حديث الرسول (ص) مع معاذ بن جبل عندما أرسله قاضياً على اليمن ، فقال له : " .. بمَ تحكم ؟ قال : بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله ، قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد برأيي ، فقال رسول الله ( ص ) ، الحمدُ لله الذي وفّق رسول الله لما يرضي رسوله ".<br /> ولما تولى الخليفة عمر بن الخطاب (رض) الخلافة ، فَصَلَ القضاء لضرورات سياسية وحضارية أملتها ظروف اتساع الدولة العربية الاسلامية ، وبذلك استقل القضاء عن الولاية . فعين أبا الدرداء قاضياً على المدينة ، وشُريحاً الكندي على الكوفة ، وعلى مصر عثمان بن أبي العاص ، وأعطى قضاء البصرة لأبي موسى الأشعري. <br />واستمر القضاء في العصر الأموي كما كان عليه في العصر الراشدي من حيث شروطه وطرق اثباته واستنباط احكامه . وقد ظهرت السجلات التي تدون فيها الاحكام لضبط امور القضاء. <br />أما في العصر العباسي فقد اتسعت الدولة وامتدت حدودها شرقاً وغرباً ، وكان لابد لهذه الوظيفة ان تتطور لاسيما بعد ظهور المذاهب الفقهية الاربعة ، يضاف لها مذهب الامامية ، مذهب أهل البيت عليهم السلام . وهذه المذاهب هي مصدر التشريع الاسلامي . وأبرز ظاهرة قضائية في هذا العصر ، كانت في عصر الخليفة هارون الرشيد ، وهي استحداث منصب ( قاضي القضاة ) ، وان ظهور منصب ( قاضي القضاة ) جاء نتيجة طبيعية لتطور المؤسسات القضائية من ناحية ، وتعبيراً عن مقدرة العقلية العربية في مسايرتها للتطور وفهمها العميق لمعالجة مشاكل المجتمع وحاجاته . وقد تولى هذا المنصب لأول مرة أبو يوسف القاضي ، وقد تولى القضاء أيام المهدي والهادي ، ثم منصب قاضي القضاة . <br />وظهر في زمن هارون الرشيد قضاء خاص ، أطلق عليه ( قضاء الجند ) . <br />ان عمل القاضي لم يقتصر على الامور القضائية البحته ، وانما اضيفت اليه مسؤوليات اخرى ، فأنيطت به على سبيل المثال ( ولاية الصدقة ). وأطلق على السجلات التي تحفظ في ديوان القضاء إسم ( القمطر ) ، وهي حقيبة جلدية تحفظ بها اوراق القاضي وخاتمه ، ويدل ارجاع الحقيبة الى المسؤولين على اعتزال القاضي. <br />أما تزكية الشهود في العصر العباسي الاول ، فكانت تجري في السر ، وعهد بها لموظفين عرفوا ( بأصحاب الرسائل ) ، وهؤلاء كانوا يقعون تحت طائلة الحساب اذا أخلوا بواجباتهم . وكان قاضي بغداد يختار عدوله من الوسط الديني ، وجلّهم كان من الفقهاء ورجال الدين وخطباء المساجد وأهل الفتية والقرّاء ، ولاسيما ممن سكن المدن العراقية . <br />أما رواتب القضاة ، التي كانوا يستلمونها من الدولة ، فقد اختلفت باختلاف الزمان والاحوال . <br />واختص القاضي زمن العباسيين بلباس معين ، فكان يرتدي السواد وهو شعار الدولة آنذاك ، ويضع فوق رأسه عمامة سوداء على قلنسوة طويلة. <br />وأدى ظهور المذاهب الاسلامية وتبلورها وسعة انتشارها في ولايات الدولة الى اختصاص قاضي كل ولاية بمذهب معيّن يستمد منه قضائه في الاحكام . ففي العراق كان القضاة يحكمون وفق مذهب الامام ابي حنيفة النعمان ، وفي مصر على مذهب الامام الشافعي ، وفي افريقيا على مذهب الامام مالك بن أنس ، ثم على مذهب الامام أحمد بن حنبل بعد انتشاره هناك . <br />