الأمعاء هي أكبر مستودع للبكتيريا في الجسم، كشفت العديد من الدراسات العلمية عن وجود علاقة وثيقة تربط ميكروبات الأمعاء بصحتنا، فيما عُرف بـ"محور الأمعاء والدماغ"، ويعود تاريخ الأفكار التي تربط بين الأمعاء والدماغ إلى القرن التاسع عشر (https://www.researchgate.net/publication/332228952_Gut-brain_axis_in_history_and_culture)؛ إذ إن بعض المشكلات الصحية التي انتشرت آنذاك -مثل عسر الهضم والوهن العصبي- دفعت الباحثين إلى التفكير في تأثير الأمعاء على مشاعر البشر وأفكارهم، كان الأطباء والمرضى حينها مفتونين بأفكار حول التفاعلات بين الأمعاء والدماغ والحالة العقلية، وأن هذه التفاعلات قد ينتج عنها آثار إيجابية أو سلبية على الصحتين البدنية والعقلية، كما أشار أطباء إلى هذه العلاقة لتفسير مجموعة واسعة من الظواهر الجسدية والاجتماعية، مثل: الصحة الشخصية، وتغيير الأنماط الغذائية، والانتحار، أو حتى الانتماء إلى تيارات سياسية متطرفة.<br />وعلى الرغم من تورُّط القولون حاليًّا في العديد من الأبحاث التى ترصد العلاقة بين ميكروبات الأمعاء والدماغ، إلا أن الأمر لم يكن كذلك دائمًا، قديمًا كان يُعتقد في أغلب الأحيان أن الدماغ يرتبط بالمعدة وليس القولون، إذ كان يُنظر إلى القولون باعتباره أنبوبًا يقوم بتخزين نفايات الهضم وتفريغها فقط، ما دفع أحد الجراحين البريطانيين، في أوائل القرن العشرين، إلى وصفه بأنه "مجرد قناة صرف صحي".<br /> التسمم الذاتي<br />أدى اكتشاف الكائنات الحية الدقيقة في نهاية القرن التاسع عشر إلى تعزيز مبدأ "التسمم الذاتي"، الذي اعتبر أن الإمساك أمرٌ خطير، إذ كان يُعتقد أن المنتجات الثانوية السامة للهضم يتم امتصاصها في الدم، ما يتسبب في تسمم جهازي للجسم يشمل الدماغ والجهاز العصبي.<br />تعود جذور هذا المبدأ إلى عصر المصريين القدماء (https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4056031/#B2) الذين اعتقدوا أن الطعام يتعفن داخل الأمعاء وينتج عنه سموم تنتقل إلى الدورة الدموية وتسبب الحمى.<br />في أواخر القرن التاسع عشر، كشف أطباء ألمان وفرنسيون أن الميكروبات قد تكون مسؤولةً عن التسمم الذاتي، وفي عام 1887 (https://www.researchgate.net/publication/332228952_Gut-brain_axis_in_history_and_culture)، اقترح الطبيب الفرنسي تشارلز بوشار أن عدم التوازن الميكروبي يقف وراء العديد من الأمراض الناتجة عن التسمم الذاتي، ولكن يبدو أن أفكار "بوشار" فقدت مصداقيتها في البحث العلمي في القرن العشرين، بسبب شيوع العلاجات العشبية والحقن الشرجية علاجًا "للتسمم الذاتي" من خلال تخفيف حدة الإمساك، وادعاء معلِّمي النظام الغذائي الإنجيلي، الذين قللوا من سمعة النظرية وربطوها بالشعوذة المنتشرة حينها.<br />ويُعد إيفان بافلوف (https://www.nobelprize.org/prizes/medicine/1904/pavlov/biographical/) -عالِم الفسيولوجي الحائز جائزة نوبل في الطب عام 1904 (https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5333583/)- أول مَن كشف عن تفاعلات الدماغ مع القناة الهضمية عبر أبحاثه المتعلقة بالجهاز الهضمي، والذي توصل من خلالها إلى أن إطلاق إفرازات المعدة والبنكرياس يحدث استجابةً لبعض الإشارات الحسية، مثل شم رائحة الطعام ورؤيته.<br />بعد قرابة قرن من اكتشافات "بافلوف"، وتحديدًا في عام 2004 (https://physoc.onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1113/jphysiol.2004.063388)، نشرت دورية ذا جورنال أوف فيزيولوجي (The journal of physiology) دراسةً يابانيةً أثارت الاهتمام حول هذه العلاقة، إذ أفادت أن الفئران الخالية من الميكروبات -وهي فئران مختبر متجانسة وراثيًّا، وُلدت ونمت في بيئة مطهرة- قد أبدت استجابةً عاليةً من خلال محور (HPA) نتيجة التعرُّض لضغط أو جهد ما، مقارنةً بفئران المختبر الأخرى المتعايشة مع ميكروبات.<br />والمحور الوِطائي-النخامي-الكظري أو محور (HPA) هو مجموعة معقدة من التأثيرات المباشرة والمتبادلة بين ثلاث غدد صماء، وهي الوِطاء (أو تحت المهاد) والغدة النخامية والغدة الكظرية.<br /> المحور الدماغي المعوي<br />يتفاعل الدماغ والأمعاء بشكل ثنائي الاتجاه من خلال المحور الدماغي المعوي، يمكن تشبيه هذا المحور بالممر السريع بين الدماغ والجهاز الهضمي من أجل تبادُل المعلومات، وهو يتمثل في عدد كبير من الوصلات العصبية وسيل من المواد الكيميائية والهرمونات، يمكن لنا أن نستشعر هذا الاتصال بسهولة عند التعرُّض لمواقف ضغط عصبي؛ إذ يبدو أن الأمعاء لها جهاز عصبي خاص بها، وهي أكثر بكثير من مجرد عضو في الجهاز الهضمي.<br />وهى النتيجة التى أكدها في عام 1998 (https://www.pathology.columbia.edu/profile/michael-d-gershon-md)، مايكل غيرسون، أستاذ ورئيس قسم علم التشريح وبيولوجيا الخلية في جامعة كولومبيا -والمعروف بـ"أبو علم الجهاز الهضمي العصبي"- عندما نشر كتابه الشهير "الدماغ الثاني"، الذي أشار من خلاله إلى أن الجهاز العصبي المعوي يعمل بمنزلة دماغٍ ثانٍ في جسمنا، هذا الكتاب جعل الأطباء والعلماء يدركون أهمية القدرة الفريدة للجهاز العصبي المعوي