يحرص منتج الخطاب الاعلامي في الصحافة الاقتصادية الى التأثير في المتلقي سعياً الى اقناعه بالمضامين التي ينتجها ، وتسهم مجموعة من العوامل والاليات والافكار والاساليب في تحقيق هذا الهدف ، ويتوقف حدوث التأثير وشدته على معرفة طبيعة الجمهور من قبل منتج الخطاب ، والبيئة التي ينتج فيها الخطاب ، والظروف الموضوعية التي تتحكم بالرسالة الاتصالية والتي تسهم في تشكيل تصوراته ورؤاه إزاء القضايا والاحداث الاقتصادية المختلفة .<br />تمثل لغة الخطاب في الصحافة الاقتصادية أهمية بارزة للجمهور المتلقي لا سيما الجمهور المتخصص في الشؤون الاقتصادية ، ويحرص منتج الخطاب الاقتصادي على موائمة النص الصحفي ليكون متناسباً مع الحالة الاجتماعية والنفسية للجمهور ، فالنص الصحفي المتماسك ككيان خطابي يلبي التوقعات والاحتياجات للمعلومة الاقتصادية ، والتماسك في النص الصحفي هو الرابط بين الوحدات اللغوية التي تشكل نصًا ، والرابط الذي يتم التعبير عنه من خلال السمات والعلاقات النحوية والدلالية. <br />ويعرف عبد الستار جواد اللغة الاعلامية بأنها "بأنها الالفاظ والتراكيب والصياغات التي تكشف عن الافكار وتجلياتها محدثه عميق الاثر في نفس المتلقي ، من خلال لغة محكمة الصياغة وسريعة الاقناع لها دلالات قوية في التأثير ") .<br />فيما ينظر عبد العزيز شرف الى اللغة الاعلامية بعدها نوعاً من النثر العاطفي ، الذي يوظف اللغة في التحذير والدعاية ، إذ يتعدى مدلولات الالفاظ الى المدلولات من خلال المعاني ، وما تثيره في الذهن من صور وأخيله يتأثر بها المتلقي ، فتستنتج منها الاذهان معاني فوق ما تحمله تلك الالفاظ ، فتستخدم العبارات العاطفية الغامضة ، والرموز الانفعالية المؤثرة في عواطف الناس .<br />وتقدم الصحافة ووسائل الاعلام اليوم لغة الاعلامية مواكبه للأحداث والتطورات السياسية والاقتصادية والصحية والامنية ، وما تفرضه هذه التطورات من لغة تعبر عنها وتستجيب لمجرياتها وتتصل بكل جزئية منها ، بما يثري لغة الصحافة ويمنحها سعة في التعبير وثراء في المفردات والمصطلحات التي لم تكن الصحافة قديماً تعرفها ، بصفتها وليدة تطورات السنوات الاخيرة والاتصال بالصحافة الاجنبية والانفتاح على العالم الخارجي والترجمة).<br />فلم تظهر لغة النص الصحفي بين عشية وضحاها بل صقلتها الوقائع جراء سنوات من الممارسة ، اذ ارتبطت الكتابات الصحفية في البدايات الاولى لمهنة الصحافة بالأسلوب الادبي كون المؤسسين الاوائل كانوا ادباء ثم بدأت تتخذ مكاناً لها تستمده من خصائص جمهورها وميول واختلاف اذواق قرائها ومستوياتهم الفكرية ، ويجمع الباحثون الاعلاميون على انه لا يتم الاعلام الكامل الا اذا وجد رجل الاعلام اللغة التي يقتضيها الحال للتعبير عن طبيعة المعلومات والافكار والاحداث ، واللغة في نظر التحرير لا تنفصل عن القناة أو الوسيلة الصحفية التي تنقل الرسالة فهي عبارة عن وسيط لا بد من اختياره بدقه لنقل الرسالة بنجاح .<br />أما اللغة الاعلامية في خطاب الصحافة الاقتصادية فيجب أن تكون ذات نظرة تفصيلية دقيقة وقوية وموجزة ومفسرة بشكل مختصر ، تمكنها من سرد المعلومات والآراء والبيانات ، حتى وان وظف منتج الخطاب رسائل مشفرة في المضمون الصحفي قائم على الدعاية أو الانحياز في استخدام الكلمات والجمل .<br />وهنالك مجموعة من المميزات التي تميز النص الصحفي الاقتصادي عن باقي النصوص الصحفية وهي :. <br />أ- استخدام مزيج من اللغة الادبية واللغة الاعلامية والاساليب الوظيفية الاخرى ( الادارية والعلمية والقانونية ) ، لكن بالمقابل استبعاد المفاهيم العلمية غير الدقيقة .<br />ب- الثراء والتنوع في استخدام المفردات بسبب تنوع المجال الموضوعي الذي تتناوله الصحافة الاقتصادية.<br />ج- استخدام لغة يمكن الوصول اليها تحددها مجموعة متنوعة من الجمهور المستهدف الذي يتم توجيهها اليه .<br />د- توظيف التصميم الجذاب لانتباه القارئ مثل : العناوين المؤثرة ، والصور و الالوان والرسوم البيانية ، والتي تمثل عامل مساعد للغة في خطاب الصحافة الاقتصادية .<br />ه- البساطة : من خلال استخدام كلمات ومصطلحات عامة يسهل الوصول اليها ، بالإضافة الى اختيار الكلمات التي تعبر عن الفكرة بشكل افضل. <br /> محددات بناء الخطاب في الصحافة الاقتصادية<br />يستمد خطاب الصحافة الاقتصادية أهميته من كونه خطاباً اجتماعياً يرتبط بالمجتمع الذي يوجه اليه ، لذلك ينتج في إطار بيئة اجتماعية محددة ، كما يعد شكلا من اشكال التواصل الفعالة في المجتمع كونه يملك القدرة على التأثير في المتلقي واعادة تشكيل وعيه بهدف الاقناع والتأثير ، ويرتكز خطاب الصحافة الاقتصادية على ثلاث ركائز حتى يتمكن من أقناع الجمهور والتأثير فيه من خلال الاتي : <br />أ- أهمية ارتباط خطاب الصحافة الاقتصادية بواقع مادي ملموس سواء كان حدثاً أو قراراً ذات صلة بالشأن العام .<br />ب- وجود منتج النص الصحفي الاقتصادي سواء كان خطابا اعلاميا رسمياً أو يمثل جماعة معينة ، أو جماعة أو فرد يتأثر بالإدراك المسبق ، ويستهدف إقناع الاخر بالاتجاهات والمواقف والافكار في إطارها الاجتماعي .<br />ج- العلاقة الجدلية بين الاطراف حول الوقائع ، او المواقف أو الاتجاهات أو الافكار ، وما تستلزمه من تأكيد بالحجج والبراهين في العرض والتقديم .<br /> ولا يخرج خطاب الصحافة الاقتصادية عن ضوابط الصحافة رسالة ومضمون ومهنة عموماً ، وعن الخطاب الصحفي خصوصاً ، لكن ثمة مجموعة من المحددات التي يجب على المرسل او منتج الخطاب في الصحافة الاقتصادية أن يضعها في الاعتبار ، حتى لا يكون الخطاب مجرد نصاً صحفياً يقتصر على الارقام وبعض الاحصائيات كما يعتقد اغلب الصحفيين ، ومن اهم هذه المحددات:) <br />أ- ضرورة الابتعاد عن الارقام الجامدة وتبسيط المعقد منها، لا سيما عند نشر الاحصائيات والدراسات والميزانيات التي تفرض على منتج الخطاب المزيد من التوضيح والتفسير ، مع بعض التعليق والشرح ، ويفضل أن يقوم بالوظيفتين الاخيريتين كتاب من حقل الاختصاص ، حتى يكسر الخطاب المنتج جمود المضامين الاقتصادية المطروحة.<br />ب- أهمية ادراك الصحفي الاقتصادي للحدث الاقتصادي في حياة المتلقي ، فأحد الاسباب التي تبعد الصحفيين عن هذا المجال هو عدم الشعور بأهميته للقارئ العادي ، ويتضح ذلك جلياً حينما يقوم الكثيرون عند قراءة الجريدة أو تصفح الموقع الالكتروني لها في شبكة الانترنت بتجنب الصفحات الاقتصادية أو تصفحها بسرعة ، وهذا الامر لا ينطبق بالضرورة على النخب والمتخصصين والخبراء في المجال الاقتصادي والمالي والتجاري.<br />ج- تحري الدقة في نشر البيانات الاقتصادية سواء كانت معلومات أو ارقام ، فعلى الصحفي الاقتصادي التأكد من دقة المعلومات والارقام المنشورة في مادته الصحفية من أكثر من مصدر ، كون الهدف الرئيس للصحافة الاقتصادية هو ايصال المعلومة الصحيحة والدقيقة.<br />د- ان يمتلك منتج الخطاب الاقتصادي قدراً عالياً من الثقافة وسعة في الاطلاع على اسواق المال ، واسعار النفط والغاز والمواد المعدنية المستخرجة ، واقتصاديات الدول ، والقرارات والسياسات الاقتصادية ، كي يكون ذا مقدرة على استيعاب اثر الاحداث على الاقتصاد المحلي لبلاده .<br /> التحليل السيميائي لخطاب الصحافة الاقتصادية <br />يعد لفظ ( تحليل) من أكثر المصطلحات شيوعاً في عالم الفكر والادب والسياسة والاعلام والمجتمع الذي أخذ من الادبيات العلمية ، على الرغم من وجوده في اللغة منذ زمن طويل وربما المفهوم القديم مرتبط بتفكيك الالفاظ الدالة على معان معينة ، لغرض اعادة بنائها من جديد ، وهو ما يقصده المعاصرون بكلمة ( تحليل) ، فقد شاع في الادبيات مصطلح أخر قريب هو ( التشريح) الذي ظهر في كتاب الناقد الكندي نو ثروب ( تشريح النقد) (مبارك، 2022، صفحة 148).<br />ويرى (فيركلاف) أن التحليل السيميائي يعامل النصوص باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات التحليل الثقافي للإعلام ، ويستند في هذا الرأي على كتاب ( هارتلاي) عام 1982 الذي درس فيه الخطاب الصحفي ، وركز في عمله على الشفرات السيميائية والمواضعات السيميائية التي توجد في أساس المظاهر اللغوية والبصرية للأخبار، ويهتم التحليل السيميائي على الايديولوجيا المضمرة في النصوص الاخبارية ، ويمثل هذا الاهتمام محوراً نمطياً في كل بنيات الاخبار ، فالأخبار تأخذ منحى تشخيص الاحداث والتجاذبات بين الاطراف التي تظهر على سطح النص ، فيذكر (فيركلاف) مثال على ذلك التجاذبات التي تحدث بين رؤساء العمل والعمال المضربين ، أو بين دولة وحلفائها وبين خصومها على أساس تجاذبات مضمرة بين "نحن" و " هم "<br />يرتبط الخطاب الصحفي بشكل وثيق بالسيمياء والعلامات فالخطاب الصحفي يمثل مجموعة من الرسائل الاتصالية الاقناعية التي تحمل معان ودلالات مقصودة في مجال حوار تفاعلي هدفه أحداث التأثير والاقناع في الجمهور المستهدف ، اما السيميائية او ( السيميولوجيا ) فهي علم الاشارة مهما كان نوعها واصلها ، بمعنى ان النظام الكوني بكل ما يحتوي من اشارات ورموز هو نظام ذو دلالة ، وتهتم السيمياء بدراسة بنية هذه الاشارات وعلاقتها بالكون وتوزيعها ووظائفها الداخلية والخارجية، وتقود السيمياء الى المعنى وتكشف من خلال ما يخفى وليس فقط عن طريق ما يكشف بوضوح ، إن التحليل السيميائي للخطاب عامةً والخطاب الصحفي خاصةً قائم على اساس رمزي ، وهو يأخذ من الرياضيات بعض اجراءاتها ، ويرتكز التحليل السيميائي على جانبين اولهما: الرؤية والدلالات ، وثانيهما : ربط النص الصحفي في الواقع ، ولكن ليس بالضرورة ان يقتضي ذلك ،التطبيق الدقيق على اشخاص بعينهم أو اماكن بعينها او قضية سياسية او اجتماعية او اقتصادية او فكرية بعينها).<br />ويتضح مما تقدم ان خطاب الصحافة الاقتصادية يتميز عن باقي الخطابات الصحفية بكونه خطاباً تفسيرياً يعتمد على تفسير الارقام والبيانات والاحصائيات اما عن لسان الخبراء الاقتصاديين كفاعلين في الحدث الاقتصادي كما في التقارير الاخبارية أو كرأي يتبناه كاتبه يعبر من خلاله عن سياسة الصحيفة وتوجهاتها إزاء القضايا الاقتصادية وانعكاساتها المجتمعية . <br />وتبرز الاهمية الاتصالية لخطاب الصحافة الاقتصادية في ظل الازمات والتحديات الاقتصادية التي يعيشها العراق والعالم لا سيما في ظل الصراعات السياسية الدولية وتداعياتها الإقليمية وانعكاسها على السياسات الاقتصادية في العراق ، فضلاً وباء كورونا وتحوراته وتأثيراته على الانشطة الاقتصادية والمجتمعية.<br />بقلم الدكتور امجد عبد الكاظم الربيعي