رافق الفن مسيرة الانسان منذ خطواته الاولى في سلم الارتقاء الحضاري . وحيث ان استقرار المجتمع وبناء المدن الاولى يعد شرطاً اساسياً لنشوء وتطور الحضارة .لذلك أدرك الانسان في الحضارات القديمة مبكراً أهمية التصميم في عملية البناء الحضاري .ولعل ما نلمسه من شواهد معمارية وتصاميم ابداعية خلفتها لنا حضارات الانسان القديمة لهو دليل واضح على ادراك الانسان في تلك الحضارات لأهميته التصميم في بناء الحضارة , حتى غدت اعماله في هذا المجال من خصوصيات تلك الحضارات ومن خصائصها المميزة .<br />وبالرغم مما لعبته محركات الفكر متمثلة بالبيئة الطبيعية والاجتماعية والتصورات الدينية من دور فاعل في توجيه الفنان المصمم وتحديد ادواته واليات عمله واسلوبه وبما يضفي على منجزه الفني طابع الغائبه, الا أن البصمات الابداعية للفنان بدت واضحة في اعماله أذ لا يمكن انكار ما تتمتع به تلك الاعمال من قيم جمالية متفرده.<br />لقد اشترطت البيئة الطبيعية الرافدينية على عمارة القسم الجنوبي من العراق حيث الانطلاقة الاولى لحضارة الانسان متمثلة بدويلات المدن السومرية اشترطت الطين كمادة اساسية في البناء لافتقار هذه المنطقة الى الاحجار , الامر الذي قاد السومريين الى انتاج (اللبن) ومن ثم الطوب و استخدامها في تشييد البناء ,كما استطاع المصمم السومري أن يحول كابوس الفيضان المدمر الذي يفتك بالقرى والمدن السومرية الى قاعدة معمارية مفادها ضرورة الارتفاع بالبناء عن مستوى الارض تحاشيا لخطر الفيضان فابتكر طريقة البناء بالمصاطب . وبتراكم خبرته في البناء بهذا الاسلوب المبتكر استطاع ان ينجز تصميماً معمارياً فريدا يسمى اليوم بـ (الزقورة) , والزقورة هذه بناء يتألف من عدة مصاطب , بعضها فوق بعض بحيث يقل حجم كل مصطبة عما تحتها ,حتى بلغ عدد طبقات (مصاطب) الزقورة في بعض الاحيان سبع طبقات كما في زقورة الألهه (انانا) في أور.<br />ولم يخفي الفنان المصمم تأثره بالفكر الديني السائد أنذاك باعتباره واحد من محركات الفكر لديه , فهو يدرك تماماً قدسية السماء ويعتقدها ملتقى الهته لذلك جعل المعبد في اعلى الزقوره, أي في الموضع الاقرب الى السماء , جعله حكراً على الملوك والكهنه يمارسون فيه طقوسهم الدينية كونهم الطبقة الاولى في المجمع السومري والتي تتمتع بقدر من القداسة لصلتهم الوثيقة بالالهه . اما عامة الناس والذين يشكلون الطبقة الثانية في المجتمع السومري فقد أفرد لهم معبداً يقع في الطبقة السفلى من الزقورة. وبهذا نرى أن نظام المجتمع السومري وتقاليده قد شكلت قوى فكرية ضاغطة ركن اليها الفنان في تصميم الزقورة.<br />وللزقورة سلمان يقعان على جانبيها ويرتقيان من قاعدة الزقورة الى أعلاها حتى كان الارتقاء خلالهما يمثل عروجا نحو السماء وبما يضفي جواً من الروحانية على مرتاديهما .<br />ولم يغب عن تفكير الفنان أهتمامه بالتصميم الداخلي للزقورة , بل اجتهد في أختيار الواناً ثلاثة لها دلالات رمزية هي(الاسود والابيض والاحمر) في تلوين الزقورة . أذ لوّن الطبقة السفلى باللون الاسود كناية عن العالم السفلي مأل الناس بعد الموت , والطبقة الوسطى باللون الاحمر كناية عن الحياة , أما الطبقة العليا فكان نصيبها اللون الابيض الرامز الى السماء عالم الالهه والشمس حيث النقاء والوضوح والعدل .<br />فالزقوره يحق تصميما معمارياً متفرداً أستوعب افكار ومعتقدات وتقاليد المجتمع السومري . اضافة الى انها تتعدى الجانب الوظيفي (الديني) في تصميمها الى كونها عمل ذو قيمه جمالية شره تنم عن كفاءة الفنان السومري ومهارته وقدرته على تضمين أعماله اقصى قدر من الجمال.<br />وظلت الحضارة الرافيدينة على مر عصورها أمينة على هذا المنجز المعماري السومري أذ توارثه الاكديون ثم البابليون فالاشوريون مضفين عليه ما أستجد لهم من امكانيات وما تراكم لدى الفنان من خبرات في مجال التصميم المعماري .<br />أن اختراع السومريون للكتابة منحهم سبقا تاريخياً عظيما, فالحاجة الى التدوين والتوثيق بات من اولويات مطامحهم في ظل هذا التألق الحضاري فباشروا بتجريد مفردات الكتابة الصورية السائدة انذاك الى رموز تعاقدوا على اشكالها ودلالاتها فكانت مايطلق عليها بـ(الكتابة المسمارية) , وهنا يبرز نوعا جديدا من التصميم يمكن ان يندرج اليوم في خانة(التصميم الطباعي) . فعملية تصميم حروف ومفردات اللغه عملية معقدة سيما وان وحدة كتابة مفردات هذه اللغة هو شكل الاسفين (الشكل المسماري)وأن وسيلة الكتابة تتم بقلم مصنوع من القصب يغرس على لوح طيني طري فيترك أثره نقشاً غائراً بأشكال مسمارية معبرة.<br />وفي ذات السياق ونتيجة تراكم خبرة الفنان السومري في مجال الكتابة والتوثيق أبتكر تصميما طباعيا جديدا الا وهو الختم المنبسط , والختم المنبسط شكل حجري مخروطي يُنقش على قاعدته البيضوي بشكل معكوس , وعندما يختم به على الطين الطري تظهر الاشكال والمفردات المنقوشة منتظمة وبشكل بارز على اللوح الطيني . ان حاجة الفنان المصمم الى توثيق مساحات اكبر مما ينتجه الختم المبسط , وما توفر لديه من تراكم الخبره في اليات عمل الاختام تخص جهده عن ابتكار عن ابتكار الختم الاسطواني .وتصميمه عباره عن أسطوانة حجرية ينقش على سطحها بشكل دائري مع دورانها حتى تبلغ بداية النقش , وبشكل معكوس ايضاُ , ثم تدحرج هذه الاسطوانه على لوح طيني رطب من بداية النقش حتى نهايته فتظهر الكتابات والاشكال بارزه على اللوح الطيني .<br />فالاختام السومرية (منبسطه او اسطوانية ) تعد انجازا سومرياً متفرداً وسبقاً حضارياً في مجال الكتابة والتدوين والتوثيق. وأن أبداع المصمم في ابتكار هكذا اشكال للتدوين يعطيه الاولوية والريادة في مجال ما نسميه اليوم بالتصميم الطباعي .<br />أما في مجال الفنون التطبيقية فقد ابدع الفنان السومري في انتاج تصاميم في غاية الروعة والتمكن , سيما تلك الاعمال التي عثر عليها في مقابر مدينة اور, فقد استخدم المعادن النفيسة كالذهب والفضة والنحاس اضافة الى الخشب والاصداف في تصاميمها.<br />ولعل (القيثارة السومرية) من ابرز تلك الاعمال التي حظيت بشهرة واسعة في اوساط الاثارين والفنانين معاً حتى يمكننا القول بانها اقدم تصميم لالة موسيقية عرفها التاريخ. لقد تجاوز مصمم القيثارة هذ حدود وظيفتها كألة للعزف الموسيقي من خلال تضمينها قيماً جمالية أعطت لهذا العمل خصوصيتة الابداعية و وجدت في مقبرة الملكة (شعباد) تتكوم من صندوق صوتي من خشب الارز ولها ساقان خشبيان ممتددان الى الاعلى مغلفان بشرائط ذهبية ومطعمان بقطع مثلثة الشكل من احجار مختلفة وملونه وبنهاية قمتيها يستقبلان حامل الاوتار وهو انبوب خشبي مدور نصفه الامامي مكسو بالفضة , وتتضمن القيثارة احد عشر وتراً مثبته الى الاعلى بمسامير ذات رؤوس ذهبية وهي بالكامل مطعمه بالذهب والصدف ويزين مقدمتها رأس ثور من الذهب ,أما عن علاقة القيثارة بالثور فكانت عرضة لتاويلات عدة وعلى الارجح أن التفسير الديني لهذه العلاقة هو الاقرب الى الصواب .<br />مما تقدم يتضح بشكل جلي ان السومرين قد ادركوا مبكرا اهمية التصميم في اثراء منجزاتهم الحضارية , وكانوا سباقين في ابداع تصاميم على درجة عالية من الدقه والاحترافية سواءً في هندستها او في تكييفها لاداء الوظيفة المناطة بها او فيما تحمله من قيم جمالية . كل ذلك يشي عن قدرة الفنان السومري على استيعاب محركات الفكر المحيطة به كقوى ضاغطة وتحويلها الى عل ابداعي متميز .<br /><br /><br />(المصادر)<br />1-احمد سوسة: حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور, دار الشؤون الثقافية, بغداد 1979<br />2-اسماعيل عزالدين: الفن والانسان, دار العلم, بيروت, 1980<br />3-باقر طه واخرون: تاريخ العراق القديم, جامعة بغداد, بغداد, 1980<br />4-نعمت اسماعيل علام: فنون الشرق الاوسط القديم, دار المعارف بمصر القاهرة, 1963<br />5-الدباغ تقي: الفكر الديني القديم, دار الشؤون الثقافية, بغداد, 1992<br />6-لويد ستين: فن الشرق الاوسط القديم, ترجمة محمد درويش, دار المأمون للترجمة والنشر بغداد, 1988<br />7-گريم ,س . ن: هنا بدأ التاريخ, ترجمة ناجي المراني, دار الشؤون الثقافية العامة, بغداد, 1980<br />