بقلم: أ.م.د.عصام كامل صالح<br />نشأت في وادي الرافدين اولى الحضارات التي عرفتها البشرية وانبثق من العراق فيض الاشعاع الحضاري<br />في العلوم والفنون والاداب وسائر فروع المعرفة كابتكار الكتابة والزراعة وتنظيم وسائل الري ناهيك عن البراعة<br />في الحساب والهندسة وقياس الاطوال والحجوم والمكاييل وتثبيت وحدات القياس لكل منها حيث انتشرت هذه<br />المنجزات الحضارية وغيرها الى سائر الاصقاع.<br />لقد كرس العديد من دارسي حضارات الشرق الادنى القديمة اهتمامهم لاكتشاف الابتكارات في ميادين العلوم<br />والتكنولوجيا، وقد اهتم البروفسور مارتن ليڤي ) 1( وهو احد اساتذة جامعة تمبل في فيلاديلفيا بتسليط الضوء على<br />التكنولوجيا الكيميائية في بلاد ما بين النهرين القديمة والف كتابا خاصا بذلك اكد فيه على ان اول واهم ثورة<br />صناعية وتكنولوجية في تاريخ الانسانية كانت قد بدأت في بلاد وادي الرافدين قبل اكثر من خمسة الاف سنة ،<br />كما واشار الى براعة العراقيين القدماء في استخراج المعادن كالحديد والنحاس والرصاص والقصدير واستخدامهم<br />للرمل في صناعة الزجاج.<br />لقد كانت سومر القديمة مركز ا صناعي ا وتجاري ا عظيم ا وكان معظم صناعتها المزدهرة يتركز في ميادين الغزل<br />والنسيج والصباغة والتبييض )القصر( باستخدام بعض المواد الكيميائية وذلك قبيل نهاية الالف الرابع قبل الميلاد،<br />وهنالك ادلة على استعمال الصابون والمنظفات الاخرى في سومر حيث عثر على ختم "اسطواني" من الالف<br />الثالث قبل الميلاد يبين ان الماء والزيت والقلويات هي المقومات الاساسية لعمل الصابون كما تشير النصوص<br />بشكل محدد الى ان عملية الترسيب الملحي كانت تمارس في ذلك الحين لفصل الصابون من الكليسيرين وفيض<br />الماء والشوائب.<br />واضافة لما تقدم فقد كانت صناعة العطور من اهم الصناعات الكيميائية في بلاد مابين النهرين ، وتحفل النصوص<br />المتعلقة بصناعة العطور بذكر نماذج مختلفة ووصفات كثيرة مما يدل على ان بلاد مابين النهرين كانت تزخر<br />بكيمياويين تطبيقيين رفيعي المهارة حيث قاموا باستخلاص العطور باستعمال الماء او الزيت او كليهما بعمليات<br />الترشيح والتصفية والتقطير.<br />وفي مجال الصناعات الدوائية فقد استثمر السومريون المصادر النباتية والحيوانية والمعدنية لاستخراج العقاقير<br />والمواد الطبية المختلفة حيث ورد في بعض الالواح الطينية مايدل على اطلاع واسع للسومريين على كثير من<br />العمليات الكيميائية ووضعوا دستورا للادوية مستندا الى تكنولوجيا كيميائية متقدمة جدا في ذلك الزمن.<br />ان الادلة على التكنولوجيا الكيميائية لبلاد مابين النهرين تتمثل في الكتابات والالواح المختلفة اضافة الى الاثار<br />التي تم اكتشافها. ففي مجال الاجهزة والمعدات الكيميائية فقد تم اكتشاف انواع مختلفة من اوعية السوائل والهاونات<br />والبواتق واجهزة الترشيح وادوات الفرز والفصل وقوارير التقطير اضافة الى عدد من الاوعية الاكثر تخصصا<br />حيث تستخدم في عمليات الاستخلاص والتبخير والتقطير وكانت تصنع في الغالب من الطين او الخشب او الحجر<br />والقلة القليلة من المعدن. ان عشرات الانماط المختلفة للاوعية التي يمكن ان تستعمل في العمليات الكيميائية قد<br />لوحظت في ادبيات الالواح الا انه لم يتم تحديد استعمالها الدقيق بسبب عدم التمكن من فك رموز العديد من<br />المفردات المجهولة في اللغتين السومرية والاكدية . وكانت الافران على اختلاف صنوفها معروفة جدا في بلاد<br />مابين النهرين وتستخدم في صناعة الزجاج والعطور وصهر النحاس ومن المرجح ان الفحم النباتي كان هو الوقود<br />الشائع المستعمل في هذه الافران.<br />لقد اشار مارتن ليڤي الى صناعة مهمة الا وهي ابتكار واستعمال الخلايا الكهربائية ) البطاريات الحالية ( خلال<br />الفترة مابين 052 و 002 قبل الميلاد وقبل اختراع خلية كلفاني باكثر من الفي سنة .<br />ان هذه الخلية عبارة عن جرة فخارية صغيرة تحتوي داخلها على قطبين ، احدهما عبارة عن اسطوانة نحاسية<br />طولها 12 سم وقطرها 0,5 سم والاخر عبارة عن قطب من الحديد وسط هذه الاسطوانة ويستند بواسطة سداد<br />مصنوع من القير ويوضع بين هذين القطبين محلول الكتروليتي موصل للتيار الكهربائي وتستعمل هذه الخلية<br />لطلاء الحلي المعدنية بطبقة خفيفة من الذهب وعلى نفس مبدأ الطلاء الكهربائي المستعمل حالي ا .<br />ان هذه الجرة هي واحدة من اهم مقتنيات المتحف العراقي وقد عثر عليها العالم الالماني ولهيلم كونغ في منطقة<br />اثرية قريبة من بغداد عام 1391 حيث اعلن انها تمثل اول جهاز كلفاني في العالم ولكن بدء الحرب العالمية الثانية<br />. ) ادى الى عدم الاهتمام بهذا الاكتشاف ) 0<br />وفي عام 1390 عثر علماء الاثار الامريكان قرب المدائن على اناء قرميدي مدهش حقا توجد داخله اسطوانة<br />نحاسية وقضبان حديدية ، وغير بعيد عن هذا المكان اكتشفت انية ونقوش فضية مطلية بصورة جيدة بطبقة رقيقة<br />من الذهب . ان طلاء الفضة بغشاء رقيق من الذهب هو امر لا يمكن انجازه بطريقة يدوية وهو مايعطي دلالة<br />على ان هذه الانية القرميدية كانت تستخدم في الطلاء الكهربائي.<br />ان الباحث الكبير جورج سارتون قد اشار الى وجود ثوابت كثيرة على ابتكار سكان مابين النهرين انواعا " من<br />الصناعات التي تسمى الان الصناعات الكيميائية " . كما واكد د.جابر عزيز الشكري ) 9( الى وجود وعي كيميائي<br />لدى العراقيين القدماء تم تطبيقه على نطاق صناعي بشكل متقن وانهم خلدوا لنا حضارة راقية ومتميزة نعتز ونفخر<br />بها ويمجدها العالم اجمع.<br />ونحن نعيش اليوم في ظل ثورة تكنولوجية عارمة وابتكارات وتطورات علمية متسارعة ليحدونا الامل في ان<br />يكمل الجيل الحالي من المهندسي<br />ن الكيمياوين العراقيين المسيرة العلمية الرائعة لأولئك الافذاذ ويقدموا ابتكارات<br />وتقنيات مميزة تخدم الحضارة الانسانية وترفع اسم العراق عاليا بين شعوب العالم.<br />المصادر :<br />-1 مارتن ليڤي ، الكيمياء والتكنولوجيا الكيميائية في وادي الرافدين ، ترجمة وتعليق وتقديم د.محمود فياض المياحي ، د.جواد<br />سلمان البدري و د.جليل كمال الدين ، منشورات وزارة الثقافة والاعلام – سلسلة الكتب المترجمة ، دار الرشيد للنشر ،<br />. بغداد 1312<br />2- Schwalb, H. M., "Electric Batteries of 2,000 Years Ago", Sci. Digest, Vol. 41(4), pp. 17-19, 1957 (reprint with very few verbal changes of The Laboratory, Vol. 25(4), pp. 112-113, 1957).<br />-3 د.جابر عزيز الشكري ، الكيمياء التطبيقية في حضارة وادي الرافدين " مجلة الكيمياوي – كانون الاول 1391<br />.) 01 ايلول 1391 – ) عدد خاص ببحوث المؤتمر الكيمياوي الثامن – جامعة السليمانية 11<br /><br />