"متلازمة الاقتصاد الريعي ما بين الواقع المعقد والمستقبل المجهول"<br />م.م عبدالمهدي رحيم حمزة /قسم ادارة الاعمال<br /> تتصف غالبية البلدان المنتجة للموارد الطبيعية الخام والتي من ابرزها النفط والغاز الطبيعي بانها اقتصادات احادية الانتاج ، باعتبارها معتمدة بشكل كبير على صادرات المورد الريعي في تمويل الموازنة العامة لها وتوفير مستلزماتها مما اجبر هذه البلدان على الدوران في فلك أسواق النفط العالمية المتقلبة ، الامر الذي جعلها تعاني من مشاكل مزمنة بسبب تقلبات أسعار النفط العالمية ، وعلى الرغم من القفزات الكبيرة في اسعار النفط الخام خلال العقود الماضية الا ان معظمها هذه لم تستثمر الموارد المالية الكبيرة في مشاريع مميزة تنعكس في تنويع اقتصاداتها عن طريق تطوير القطاعات الانتاجية كالصناعات التحويلية والزراعة وقطاع السياحة , الامر الذي جعلها تعاني من اختلالات كبيرة في قطاعتها الاقتصادية لتصبح اقتصادات طفيلية ومتكاسلة تعاني من مختلف المشكلات الاقتصادية كالتضخم والبطالة والفقر كما هي الحال في العراق وفنزويلا ونيجيريا وليبيا .<br /> وترجع الجذور التاريخية لما يسمى بالاقتصاد الريعي الذي يعرف " بأنه اعتماد الدولة على مصدر واحد للريع وهذا المصدر غالباً ما يكون مصدرا طبيعياً ليس بحاجة لآليات إنتاج سواء فكرية أو مادية كمياه الأمطار والنفط والغاز، بحيث تستحوذ السلطة الحاكمة على هذا المصدر وتحتكر مشروعية امتلاكه و توزيعه و بيعه " الى حقبة الميركنتيلين(التجاريين) التي امتدت حتى القرن الثامن عشر، اذ كان الأمراء والملوك يقيسون مدى نجاح سياساتهم الاقتصادية بحجم ما يجمعوه من الذهب والفضة ، اذ كان الاستيلاء على الذهب والفضة من قارة امريكا الجنوبية اضخم عملية خاصة للتراكم الرأسمالي حتى تلك الحقبة التي تعد باكورة النظام الرأسمالي بحسب آدم سميث " الى درجة من البهاء والمجد ما كان ليبلغها قط لولا ذلك" و كتب الاقتصادي كينز " في تلك السنوات الذهبية ولدت الرأسمالية الحديثة " , وفي النصف الثاني من القرن العشرين شهدت كل من المكسيك والنرويج واذربيجان ظاهرة الاقتصاد الريعي نتيجة اكتشاف النفط والغاز في اراضيها. كذلك ظهرت تلك الاعراض نفسها في افريقيا وبشكل خاص في نيجيريا بفضل ما وهبتها الطبيعة من ثروات سخية من الطاقة الهيدروكربونية, وفي العقود الاخيرة ظهرت ملامح الاقتصاد الريعي في معظم الاقتصادات العربية والدول النفطية على وجه الخصوص .<br /> وشهد عقد السبعينات من القرن العشرين خاصة بعد الطفرة النفطية تدفقا للريع النفطي بشكل ضخم على البلدان المنتجة للنفط فقد تجدد النقاش حول هذه الموضوع من منطلق ماذا يعني هذا الدخل الكبير المتأتي من إنتاج النفط بالنسبة إلى هذه البلدان؟ ومن بين المقاربات المنهجية لفهم وظيفة هذا الدخل هي مقاربة الباحث الايراني حسين مهداوي عام 1970 إذ طرح مفهوما يستند إلى نقطتين أساسيتين: الأولى هي أن الدولة الريعية لا تحصل على مواردها من الضرائب التي تفرضها على مواطنيها، وبالتالي فهي لا تخضع إلى محاسبة المواطنين، فتصبح" مستقلة سياسياً" انطلاقاً من "استقلالها الضريبي" أما الثانية فتبين أن هذه الدولة تعتمد سياسات توزيعية بدلا من السياسات الإنتاجية التي تؤدي في نهاية الأمر إلى اخراج السكان من الحيز السياسي وبالتالي من نطاق المطالبة بالديموقراطية .<br /> جملة القول تعد الصفة الريعية من اعقد المشاكل التي تواجهها الاقتصادات النامية في السنوات الاخيرة , ولعل سهولة الحصول على العوائد المالية السهلة والوفيرة التي تحصل عليها الدولة الريعية هي من جعلتها مهتمة في القطاع الريعي وتهمل القطاعات الانتاجية المختلفة , كما يغيب الاهتمام في جانب الايرادات الاخرى كالضرائب والرسوم وغيرها الامر الذي انعكس سلبا على بنية الاقتصاد الوطني , على عكس البلدان المتقدمة والناشئة والتي نجحت في استثمار هذه الريوع في بناء استثمارات مستدامة لضمان حقوق الاجيال القادمة و تجاوز المشاكل التي تحدث نتيجة للتقلبات في اسعار المورد الريعي .<br /> ويجمع الخبراء على وصف نمط الريعية على الاقتصاد العراقي وبامتياز كون الدولة العراقية معتمدة أساساً على مصدر واحد للدخل وهو النفط الذي يشكل نسبة تصل إلى 95% من مجموع إيراداته المالية التي تمثل العمود الفقري لبناء كل الموازنات الحكومية، وهو يمثل الدخل الأسهل والأسرع والأكبر, فهو لا يحتاج إلى آليات إنتاج ولا إدارة تسويق معقدتين .<br />