تخفيض سعر صرف الدينار العراقي .... قرارٌ مدروس ام حلٌ سريع لازمة خانقة؟<br />محمد خيري داود الصليخي / باحث اقتصادي <br />غالبًا ما تلجأ الدول إلى قرار تخفيض قيمة عملتها المحلية في حال اختلال في ميزانها التجاري، وذلك من اجل تصحيح ذلك الاختلال أو على الأقل للتخفيف من حجم العجز الحاصل جراء ذلك الاختلال. وهذا التخفيض سيؤدي حتماً إلى جعل أسعار السلع المستوردة اعلى من شبيهتا المنتجة محلياً، مما يُفترض أنه سيحد من شراء السلع القادمة من الخارج ويشجع الإقبال على المنتجات الوطنية. ونتيجة لذلك التخفيض ايضاً، هو تراجع حجم الواردات ونقص المنتج المحلي مما ينعكس على الطلب على العملة الأجنبية. بالمقابل، تصبح أسعار السلع المصنعة محليا أرخص بالنسبة للأجانب، مما يُفترض أنه سيعزز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية ويرفع حجم الصادرات إلى الخارج.<br />وقد شهد سعر صرف الدولار في العراق تقلبات كبيرة منذ العام 2005 وحتى العام 2020، وهذه التقلبات تكون نتيجة لأسباب عدة أهمها المضاربات وتذبذب الطلب على الدولار أو المعروض منه، إذ سجل مؤشر ضغط سوق الصرف الاجنبي عدداً من الأزمات اثناء المدة 2005 -2020، ذلك نتيجة الارتفاع والانخفاض في المتغيرات الداخلة في احتسابه لاسيما معدل سعر الصرف والاحتياطي الاجنبي. فيما شهد المؤشر استقراراً للمدة ما بين عامي 2017-2019 وهذا كان متوقعاً سيما وان سياسة البنك المركزي تعمل وبشكل مستمر على استقرار سوق الصرف الاجنبي من خلال نافذة بيع العملة كأداة تدخل مباشرة لتحقيق الاستقرار في قيمة الدينار العراقي.<br />كما شهدت اسعار النفط والكميات ازمة مزدوجة اثناء شهري آذار نيسان من عام 2020 اثرت بشكل كبير على العائدات المالية للدول المنتجة للنفط وبالأخص العراق، إذ سجلت معدلات الاسعار انخفاضاً كبيراً الطلب العالمي على الطاقة انخفاضاً كبيرة مع تداعيات ازمة كورونا وفشل الاتفاق على التخفيض بسبب الخلاف بين روسيا والسعودية، إذ وصلت الاسعار الى مستويات متدنية تكاد ان تقل من كلف الانتاج في الكثير من الدول المنتجة للنفط.<br />إذ شهدت اسعار النفط والكميات ازمة مزدوجة اثناء شهري آذار نيسان من عام 2020 اثرت بشكل كبير على العائدات المالية للدول المنتجة للنفط وبالأخص العراق، إذ سجلت معدلات الاسعار انخفاضاً كبيراً الطلب العالمي على الطاقة انخفاضاً كبيرة مع تداعيات ازمة كورونا وفشل الاتفاق على التخفيض بسبب الخلاف بين روسيا والسعودية، إذ وصلت الاسعار الى مستويات متدنية تكاد ان تقل من كلف الانتاج في الكثير من الدول المنتجة للنفط.<br />وقد وصلت أسعار نفط خام (ICE Brent) إلى (55) دولاراً للبرميل في شهر شباط 2020، كنتيجة لبدء انتشار فايروس كورونا. ليشهد هبوطا كبيراً في شهر آذار من عام 2020 وصل الى (35) دولاراً للبرميل بعد فشل الاتفاق على تخفيض الإنتاج وإعلان عدد من الدول أنها في حل منه وستزيد من إنتاجها بعد انتهاء منه، ليستمر الانخفاض حتى وصل الى حدود (23) دولاراً للبرميل بانخفاض بين شهري شباط وآذار بمقدار (28) دولاراً للبرميل. هذا ما دفع الدول الاعضاء في منظمة اوبك الى التوصل لاتفاق تخفيض أساس إنتاج روسيا والسعودية إلى (11) مليون برميل يومياً وتخفيض كل من العراق والامارات والكويت (1.061) و(0.722) و (0.641) مليون برميل يومياً على التوالي عن الأساس المذكور ويعادل هذا التخفيض نسبة (22.8%) وهي نسبة تخفيض تسري على الجميع بالتساوي ويكون هذا المستوى من التخفيض نافذاً لشهري ايار وحزيران من عام 2020 فقط ثم تخفض النسبة الى (18%) للنصف الثاني من عام 2020.<br />*أمور يجب الاخذ بها بالحسبان حال تم التوجه نحو تخفيض قيمة العملة:<br />يتطلب الاخذ بنظر الاعتبار العديد من المؤشرات التي واجب توفرها في اي اقتصاد يرنو لتخفيض قيمة عملته ويدير سعر صرف بحكم الواقع الاقتصادي الذي يمر به البلد ومنها الاتي:<br />• مدى قدرة الآلة الإنتاجية الوطنية على تصنيع السلع المستوردة من الخارج بجودة مماثلة أو معقولة وأسعار منافسة، وإحلال منتجات وطنية مكانها.<br />• مدى المرونة السعرية للصادرات والواردات، بمعنى مدى تجاوب الطلب على الصادرات والواردات مع تغير الأسعار الناتج عن تخفيض قيمة العملة.<br />قرار التخفيض، قرار مدروس ام حل سريع لازمة؟<br />يعمد البنك المركزي العراقي على بيع كميات من العملة الاجنبية يومياً للمحافظة على استقرار سعر صرف الدولار وبالنهاية قيمة الدينار العراقي، وهذه الكميات غالباً ما تكون على حساب الاحتياطي الاجنبي والذي يعتمد على مشتريات الدولار من وزارة المالية وارباح البنك والايرادات العامة للدولة واحياناً الاقتراض الخارجي الذي تقوم به وزارة المالية. كون ان الوظيفة الاساسية للاحتياطي الاجنبي هو الحفاظ على سعر الصرف من خلال بيع أو شراء العملة الاجنبية من السوق وللتعامل مع ضغوط السوق واحتياجاتها من العملة الاجنبية والحفاظ على قيمة الدينار العراقي، وبذلك تحقيق الهدف الاساسي للبنك المركزي الا وهو تحقيق الاستقرار في سعر الصرف والحفاظ على نظام مالي مستقر يقوم على اساس منافسة السوق، وبذلك سيعمل البنك المركزي على تحقيق هذا الهدف على حساب حجم الاحتياطي الاجنبي.<br />كما ان التراجع المستمر في أسعار النفط يقود الى تراجع في الموارد المالية للدولة من العملة الاجنبية وبالتالي تراجع في الاحتياطي وهذا سيولد ضغوط كبيرة على سوق الصرف الاجنبي. <br /><br />هناك عدة أسباب تدفع أصحاب القرار الاقتصادي الى تخفيض سعر الصرف، في مقدمتها تصحيح اختلال ميزان المدفوعات، وذلك باعتبار السلع المحلية ستكون ارخص من السلع المستوردة واكثر تنافسية وهذا يكون في حال يمتلك البلد جهاز انتاجي كبير وقبل ذلك استقرار سياسي وامني.<br /> والهدف هو تحسين الميزان التجاري الذي تعمل الدول التي تخفض عملتها من اجل تحسينه لا يمكن تحقيقه في حالة العراق في الاجل القصير، انما هو بحاجة الى خطط اقتصادية مدروسة وهادفة تعمل على رفع القدرة التنافسية للاقتصاد العراقي والمنتج المحلي على وجه الخصوص، سيما وإن القطاعات الحقيقية (الصناعية والزراعية والخدمية) في أدنى مستوياتها، ونسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لا تتعدى (20.18%) اثناء العام 2020 .<br />وإن هدف التخفيض في حالة العراق إنما يأتي لتخفيف عجز الموازنة العامة للدولة، التي تشهد عجزاً كبيراً في السنوات الأخيرة جراء انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، سيما وان القطاع النفطي يشكل نسب كبيرة في الإيرادات العامة للدولة، إذ جاء تخفيض العملة المحلية لتعويض النقص بالدولارات المتأتية من بيع النفط العراقي والتي ستتحول بالنهاية الى دنانير من خلال بيعها الى البنك المركزي العراقي، إذ ان كمية الدنانير التي ستحصل عليها وزارة المالية بسعر صرف الجديد ستكون اكبر يمكن ان يسد بنسبة كبيرة حجم العجز في الإيرادات الأخرى في الموازنة العامة للدولة، وهو حل سريع وسهل كسابقاته من الحلول التي غالباً ما تلجأ اليه الحكومات العراقية (الاقتراض الداخلي، الاقتراض الخارجي، الضرائب على الدخول)، اما جانب الانفاق العام فهو الحد الثابت من المعادلة والذي لا يمكن تغيره بسهولة. ان اتخاذ هكذا قرارات يجب ان تسبقه العديد من الاصلاحات الهيكلية الهادفة إلى زيادة إيرادات الدولة والسيطرة على النفقات غير المنتجة ومعالجة العديد من أوجه الخلل والقصور في السياسات العامة الاقتصادية، التجارية، المالية والاستثمارية قبل اللجوء إلى خيار تخفيض قيمة الدينار العراقي.<br /><br />**من اجل انعكاس الاثار الإيجابية لعملية خفض قيمة الدينار العراقي وجعلة أداة تنموية للقطاعات المساهمة بالناتج المحلي الإجمالي يجب الاخذ بنظر الاعتبار النقاط الاتية:<br />• بناء منظومة جمركية حديثة ومحوكمة وذلك بالاعتماد على الطرق الالكترونية في الجباية والترسيم، وانهاء الفساد المستشري بتلك المنظومة وبالتالي فان هذا الإنجاز سينعكس على ارتفاع حجم الإيرادات من تلك المنافذ من جانب، وحماية للمنتج المحلي بشقيه الصناعي والزراعي من جانب اخر.<br />• توجيه الأموال المتأتية من الاقتراض الداخلي والخارجي نحو بناء البنية التحتية للبلد ولجميع القطاعات وبالأخص قطاع الكهرباء.<br />• الشروع بوضع خطة مدروسة وممكنة التطبيق نحو تنمية قطاع الكهرباء كخطوة أولى وبعدها التوجه الى تنمية القطاع الزراعي والصناعي المدعم بقانون استثمار محكم يضمن للمستثمر كامل الحقوق، على ان يتم اجراء الاجازة الاستثمارية بالكامل الكترونياً من خلال نافذة الكترونية للاستثمار تمكن للمستثمر الحصول على الفرصة الاستثمارية دون الرجوع الى الدوائر المعنية والتي اغلبها تحصل فيها حوادث الابتزاز والعرقلة.<br />• تفعيل وإصدار القوانين التي من شأنها ان تعمل على حماية المنتج المحلي وكذلك المستهلك من اجل تشجيع الإنتاج المحلي والحد من استيراد للسلع من الخارج.<br />• استغلال مبادرات البنك المركزي العديدة والكبيرة التي أطلقها من اجل تحفيز النمو الاقتصادي وتشجيع الإنتاج المحلي، سما وهو يهدف الى المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية في العراق كهدف من أهدافه الاستراتيجية والتي يعمل على تحقيقها وبشكل مستمر.<br /><br />