ان اختراع الختم المنبسط والاسطواني لا يمكن حصر دورهما التصميمي في الافق التاريخي , لما يمتلكه هذان المنجزان المبتكران في قيم ثرة شكلت نقاط شروع نحو تطورات على الصعيد الفني والوظيفي لاحقا ’ اضافة لذلك فان هذين الابتكاران يعدان مرجعين تاريخيين لانهما سجل حافل في عرض صور التفاعل بين العالم الذاتي والبيئة المحيطة بمعناها الواسع . <br />لكن في البدء لابد من عرض التسلسل المنطقي لما ال اليه اختراع الختم المنبسط والاسطواني . <br /> ان الانسان في مراحل حياته الاولى وهي مرحلة جمع القوت التي انشغل فيها كل وقته بمطاردة الحيوانات لاصطيادها وتوفير قوت يومه , وهذا النشاط سلبه فرصة التأمل وتنظيم شؤون حياته المختلفة . لكن بفعل فطنته انتبه الى معالم الاثر كأثار اقدامه على الرمال والى معالم الاثر التي تتركها الحيوانات داخل جدران الكهوف كأثار شحذ مخالبها عليها كعلامة على تحديد منطقة سيادتها وحيازتها على المكان , فراح ذلك الانسان في تقليد الحيوان من خلال طبع يده المضمخة بدماء الطريدة على تلك الجدران وهي بصمة تعريفية على منطقة الحيازة او السيادة على المكان وهي تشير الى الانسان بمعناه العام وليس محدد الشخصية .<br />حين انتقل النسان الى مرحلة جديدة في الحياة وهي انتاج القوت باهتدائه للزراعة وتربية الحيوانات حيث استقر في مجمعات سكنية وهذا الوضع الحياتي منحه فسحة للتأمل والتفكير في كينونته الذاتية وعلاقتها بالطبيعة والكون . وهذا النمط في العيش مكنه من احداث تحولات كبرى في مجمل الحياة , فبدأ بتنظيم حياته الفردية والاقتصادية والدنية . ويطلق على هذه الفترة بالمراحل التمهيدية لنشوء حضارة وادي الرافدين السباقة لكل الحضارات الانسانية , تسمى هذه المرحلة بعصور ما قبل التاريخ او ما قبل التدوين , اي قبل اختراع الكتابة . <br />وهذه العصور هي عصر (حسونة) وعصر (العبيد ) وعصر ( سامراء ) وعصر ( حلف )(*) <br />لقد افرزت هذه المرحلة مجتمعة وبما الت اليه الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والدنية هو اختراع الختم المنبسط . والذي وجد في بقايا المستوطنات الموغلة بالقدم التي تعود الى الربع الاخير من القرن السادس ٌ.ق.م.<br /><br /> (*) كان لعصر حسونة نقطة البداية في اوائل الالف السادس ق.م اما تألقها كان من نصيب عصر العبيد الذي امتد الى الربع الاخير من الالف السادس ق.م في ما احتل عصر سامراء وعصر حلف الفترة الزمنية بينهما <br />ان الختم المنبسط ( stamp seals ) عبارة عن قطعة حجرية او فخارية تأخذ الشكل الدائري او شبه الدائري او المربع او ما الى ذلك . <br />يحفر الختم المنبسط وعلى سطحه المستوي حفرا غائرا تشير الى نبات او حيوان مجرد تجريدا نسبيا او تحفر بأشكال هندسية وحين الضغط بهذا الختم على الطين الطري فان الاشكال المحفورة حفرا غائرا تظهر بارزة على الطين . <br /> ان استخدام الختم المنبسط هو لتمييز الممتلكات والمخزونات ومعرفة من عبث بها , حيث توضع هذه المخزونات في جرار فخارية تغطى فوهاتها بقطعة جلد ثم يوضع عليها الطين ثم الختم بهذه الاختام المنبسطة لتشير لصاحب الملكية , وفي ذلك تعبير عن خصوصية تفرد الذات بالرغم من بساطة النقوش عليها لكنها كانت كفيلة بتمييز ختم منبسط يعود لفرد عن فرد اخر وبذلك فان الختم المنبسط هو احد الاشراقات للحضارة الانسانية وهو يشير الى نشاط حركة التفاعل الاجتماعي بين الافراد ونشوء حقوق الملكية الفردية التي تم تثبيتها بالتواقيع الشخصية . <br />ان تعدد الطبعات بواسطة هذه الاختام يعد من اقدم الافكار المنظمة لفكرة الطباعة وفن الكرافيك في تاريخ الفن العالمي لأنه اصبح بالإمكان الحصول على العديد من طبعات المشاهد الصورية بمجرد الضغط بواسطة الختم على الطين الطري . <br /> ان الجانب العلمي للختم المنبسط شكل حضورا مستمرا امتد الى حياتنا المعاصرة اذ انه يشير الى الهوية الشخصية للأفراد اضافة الى ارتباطه بالنظم المؤسساتية حديثا في اشارة لهويتها ان كانت تجارية او تعليمة وما الى ذلك .<br />اما الجانب الفني للختم المنبسط فان ظهور طبعته بشكل بارز على الطين الطري يذكرنا بأحد تقنيات الطباعة البارزة في فن الكرافيك وهي الطباعة ( العمياء ) التي لا تعتمد على الحبر الطباعي ( كتقنية الطباعة على الورق المقوى ((card board relief print )) والتي تكون نتيجتها طبقة بارزة يمك تلمس الاشكال باللمس او البصر يضاف لذلك ان الختم المنبسط يعتبر سطح طباعي اذ يمكن تحبير سطح الختم الغير محفور بواسطة الحبر الطباعي وعند الضغط على هذا الختم على الورق او الجلد او اي وسيط اخر فأننا نحصل على طبعة واضحة المعالم .<br /><br />