سبق وان اشير بالحلقة الأولى حول الاختام المنبسطة والدور الوظيفي والفني فيها، اما بالنسبة للختم الاسطواني فقد ظهر في العصر السومري المبكر حيث حققت الحضارة العراقية فيه تحولا حضاريا مهما في تاريخ الفكر الانساني , اذ اظهرت هذه الفترة تواصلا مع حضارة عصور ما قبل الكتابة مكونة قفزة حضارية مهمة , مكونة اول مجتمع متحضر في تاريخ الفكر الانساني . ويتجلى ذلك في استمرار التقدم في كثير من المقومات والعناصر الحضارية في العصور السابقة مع الارتباط بالأفكار والتقنيات والاساليب مع المراحل التمهيدية , حيث اخترعت في هذا العصر الاختام الاسطوانية والتي هي عبارة عن قطعة حجرية بشكل اسطواني منتظم , وينحت من احجار متفاوتة الصلابة ومتنوعة الالوان ويتراوح طول الختم بين ( 2_ 7 سم ) ويكون مثقوبا طوليا بثقب يسمح بتمرير خيط , كي يعلق برقاب الاشخاص , وينحت سطحه الدائري بمشاهد مختلفة الموضوعات والطرز , وتنحت المشاهد عادة نحتا غائرا بشكل شريط معكوس يعود فيلتقي مع بدايته فاذا دحرج الختم على السطح الطين الطري , ترك طبعة واضحة وبشكل صحيح . حيث يحضر الختم بشكل معكوس وحين يدحرج على الطين يعطينا طبعة بشكل معدول بعد ان كان في الختم مقلوبا , وهذه الطريقة مستخدمة في طباعة الاوفسيت (offset) التي تعتمدها طباعة الصحف والمجلات والتي يطلق عليها بالطباعة الغير مباشرة , وهي الطباعة التي يستخدم فيها وسيط بين السطح الطباعي والورقة وهو مصنوع من المطاط يقوم باستلام الكتابة والصور في السطح الطباعي من الشكل المعدول الى الشكل المقلوب ليقوم بقلبها الى الشكل المعدول للورقة وبذلك فان الطباعة الحديثة استوحت فكرة الكتابة والصورة المقلوبة الى الشكل المعدول اي الصحيح سواء كانت كتابة او صورة من الاختام الاسطوانية التي تحفر بشكل مقلوب وعند دحرجة ختم على الطين تظهر الاشكال والصور بشكل معدول اي صحيح يمكن قراءته . كما تكمن اهمية تصميم الختم بشكل اسطواني وفعاليته الميكانيكية مازالت هذه الفكرة تشكل اساس الطباعة في العصر الحديث .<br />يضاف لما تقدم ان الختم الاسطواني يترك الطبعة على الطين بشكل بارز اي بروز الشكال وانخفاض الارضية وهي احدى تقنيات الطباعة الحديثة التي لا تستخدم الحبر الطباعي والتي تسمى بالطباعة ( العمياء ) او ما تطلق عليها بتقنية الضغط على الورق المقوى (card board relif print ) اضافة فان سطح الختم محفور بطريقة هندسية او لنص كتابي .<br />ان النقطة الجوهرية والمثيرة للاهتمام هو ان الختم ومن خلال ما يخلفه من حدود او افريز متصل حين يدحرج على الطين الطري فما يتركه الختم من حدود هندسية ( اطار) التي تأخذ بشكل لمربع او مستطيل التي تنتظم فيه الاشكال الادمية والحيوانية والنباتية التي تركب داخله حين يظهر الفنان لوصف المحيط الطبيعي فوجود الاطار يكون كافيا لخلق الاحساس بوجود فضاء تصويري تنتظم داخله الاشكار . <br />ان الحدود الهندسية ( الاطار ) ه حدث ذو اهمية كبيرة في تاريخ الفن عموما , امتد تأثيره لوقتنا الحاضر حيث يشير ( رينه هوينج ) الى ان في العراق في نهاية الالف الرابع وبداية الالف الثالث اخترعت طريقة مستحدثة لتصوير الفضاء الذي يترتب فيه العمل الفني لتنظيمه وفيها بدأت تظهر فكرتا الاطار والتأليف الجديدتان الغنيتان اللتان ستظلان مكتسبا اساسيا للعصور التالية , انها تبدو لنا الان طبيعية وبديهية , لكنها كانت انقلابا هائلا في حينها كان الرسام حينها لا يفكر الا في الشكل الذي يرسمه وها هو الان يرتب فيه صورة ما وان ينظمها الى مبادئ التنسيق والتي ستصبح مبادئ تأليف . ان الاشكال المحفورة على الختم الاسطواني يكون قرب هذه الاشكال عن الحافة السفلية للاطار الذي تركه الختم الاسطواني الا على قرب هذه الاشكال لنا اما البعيدة عن هذه الحافة السفلية تكون بعيدة عنا , ذلك لان في التصوير يكون موضع الاشكال بالنسبة للحافة السفلية من الاطار الذي يتركه الختم هو الذي يوحي بالأبعاد بينها وبين الناظر . <br />ان هذا العمق الفضائي هو بعد نسبي من خلال البعد عن الحافة السفلية التي يخلفها الختم الاسطواني , لكن الاحساس بالفضاء المنبسط حين تكون كل الاشكال على مستوى واحد من السطح المصور وبذلك تكون هذه الاشكال موازية للسطح التصويري وتظهر متساوية البعد عن العين اي لا قريبة ولا بعيدة . ولذلك فان الاطار ولد احساس بعمق نسبي كذلك ولد احساسا بالفضاء المنبسط .<br />وباختراع الكتابة اضيفت على هذه الاختام وهي تروي معتقدا دينيا او توضيح لأسطورة كانت سائدة او تروي حدثا معينا .<br />ان تكرار طبع هذه الاختام بأكثر من مكان وتعدد النسخ هو بمثابة اعلام على مستوى واسع بين المجتمع والذي تطور لاحقا الى الاعلام الحالي بواسطة الصحف والمجلات كذلك الاعلانات القائمة على تعدد النسخ هذا اذا ما فهمنا ان الاعلام هو وسيلة من وسائل الاتصال بين المرسل والمستقبل لنشر الافكار وتكوين الرأي العام ونقل ثقافة ما يقصد التوثيق او لتأثير في المجتمع<br />