مقال التعليم المحاسبي الناجح<br />المحاسب القانوني الدكتور عبد الكريم محمد سلمان النجار<br />------------------------------------------------------------------------------<br />المحاسبة في يومنا هذا لم تَعُدْ مجرد مسك الدفاتر والسجلات المحاسبية كما كانت عليه لعهد قريب ، ولم يَعُدْ دور مراقب الحسابات مجرد رقيب يُوَكَّل إليه إبداء الرأي في صحة الحسابات ومدى العدالة التي تعكسها البيانات والقوائم المالية المعلنة ، وبالرغم من أن مثل هذه الوظائف المحاسبية أساسية وضرورية جداً للإفصاح عن واقع الأمور للمساهمين والمستفيدين والجهات الرسمية ، فإن ثمة بُعداً جديداً للمحاسبة من حيث دورها المهم في تعزيز الثقة وإشاعة الطمأنينة وإعطاء قيمة للبيانات والقوائم المالية إن هي مارست بكل أمانة دورها والغرض من وجودها ، فضلاً عن تسجيل آرائها والتنبيه إلى أي انحرافات محتملة يسهل تداركها في الوقت المناسب .<br />اعتماداً من هذا الدور وبالعودة إلى نقطة الانطلاق في صناعة المهنة نجد أن الأساس يَكْمُنُ في مرحلةٍ مهمةٍ جداً ، ألا وهي مرحلة التعليم المحاسبي في الجامعات (كلية الإدارة والاقتصاد) وما له من مكانة ودور مهم للمساهمة في التنمية الاقتصادية , لذا أصبح من حق الطالب في قسم المحاسبة أن يحظى بتأهيل علمي يساعده على أداء وظائفه بصورة إيجابية وفعالة , كما ويتعين على الجامعات أن توفر كل مستلزمات هذا التعليم لمسؤوليتها في تخريج محاسبين أكفاء تكون لهم بصمات واضحة في عملية التنمية الاقتصادية في بلدهم .<br />إن لمواكبة التطورات الحديثة في المجالات العلمية الأكاديمية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمحاسبة كعلم ومهنة تعتبر ذات أهمية بالغة في أسس التعليم الناجح , لذلك لابد للجامعات من أن تحرص على توفير كل ما يلزم الطالب من الكتب والمراجع العلمية وإقامة الندوات والمحاضرات وتوفير وسائل الاتصال المتطورة .<br />بناءَ على ما تقدم ولتحقيق الهدف المنشود من التعليم الصحيح ، نجد أن من أبرز أسس التعليم الناجح هو التوافق ما بين الدراسة النظرية والتطبيق (العملي) , بمعنى أن يتناول التعليم الجانب النظري ويكمله الجانب العملي (التطبيقي) بشكلٍ كافٍ ، كي يستطيع الطالب أن يتعرف على جزء من المشاكل المحاسبية التي قد تواجهه عند مزاولته المهنة , فبعد أن تكون الجامعة قد أعطته الخلفية النظرية والمؤهل العلمي , ينبغي تهيئة الطالب للعمل وتمكينه من بلورة فكرة تطبيقية عما يجري في داخل المؤسسات والشركات للتعامل مع تلك الظروف العملية مستقبلاً ، وذلك عن طريق تقوية الصلة مع الوزارات والوحدات الاقتصادية والشركات والتعاون مع الهيئات والجمعيات المتخصصة التي تساهم مساهمة فعالة في تخريج المحاسب الكفء المهيأ لبناء قراراته بموضوعية وواقعية على أسس علمية ومهنية سليمة .<br />من هنا تنبع مشكلة الضعف في التعليم المحاسبي ، فالتعليم يجب أن يحرص على تخريج محاسب مهني يستطيع التعامل مع أي نظام اقتصادي سوف يعمل فيه ، بل ويُمَكِنَهُ من الإنتاج والإبداع ; ليس هذا فقط ; بل ينبغي من المحاسب المهني ; كما أشرنا ; المساهمة في تعزيز الموثوقية والملائمة وإشاعة الطمأنينة وإعطاء قيمة وأهمية للبيانات والقوائم المالية ، فضلاً عن إعطاء آرائه والتنبيه إلى أي انحرافات محتملة يمكن تداركها في الوقت المناسب .<br />هذا بالنسبة إلى الجانب الأول في التعليم فيما يتعلق بالتعليم النظري ، أما الجانب الآخر الأهم والذي يأتي في المرتبة الأولى هو الكادر التدريسي .<br />الكادر التدريسي :<br />من البديهي وجود علاقة وثيقة ما بين نوعية وكفاءة الهيئات التدريسية ونوعية التعليم المحاسبي , فكلما امتلك التدريسي الخبرة العلمية و(( العملية)) كلما كان أقدر على إعطاء المادة العلمية بصورة نموذجية إيجابية ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فمن غير المنطقي أن يكون التدريسي يحمل نفس الدرجة العلمية التي يتم منحها للطلبة ، والمهم ذكره في هذا المجال أن مصدر الحصول على الشهادة الجامعية بالنسبة للتدريسيين له الدور والتأثير المباشر على نوعية التعليم .<br />وبناءً على ذلك من المهم جداً مراعاة مصدر الحصول على الشهادة الجامعية العليا لما له من تأثير على نوعية التعليم ومفاهيمه ، وكذلك من المهم التركيز على الخبرة العملية التي يمتلكها التدريسي ، حيث أن ذلك يزوده بالقدرات والإمكانيات الكفيلة في شرح القضايا النظرية (الأكاديمية) وتوصيلها إلى الطالب بصورة أفضل .<br />وتوجد هناك مؤسسات تعليمية ومهنية يمكنها المساهمة في منح هذا المؤهل العملي ، فإن وجود مثل هذه المؤسسات والجمعيات والمنظمات المهنية والأكاديمية المهتمة بتطوير ورعاية مهنة المحاسبة لها الدور المهم في القياس على واقع التعليم المحاسبي في الجامعات .<br />وهنا يتبادر إلى الذهن كيف يمكن تأهيل التدريسي حديث التخرج بالخبرة العملية وفي وقت مناسب قبل مزاولته مهنة التدريس في الجامعة ، وهل هو بحاجة ماسة لها أم يكون قد تخرج من دراسات عليا تحمل شهادتها الطابع المهني ، هنا ينبغي على الجهات المعنية بهذا الأمر (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي) أن تقوم بدراسة جدية لهذه القضية ووضع الحلول المناسبة لرفد الجامعات بالكادر التدريسي المسلح بالكفاءة العلمية والعملية المناسبة وبالخصوص للاختصاصات المهنية .<br />قد يجد البعض من التدريسيين صعوبة في تقبل هذا الأمر ، وقد يقول البعض الآخر بأن هذا معمول به ، وهنا نود الإشارة إلى أن هناك بعض المؤسسات والمنظمات تشترط على من يرغب في مزاولة المهنة (باعتبار أن التدريس مهنة) أن تكون له خبرة في العمل الميداني لا تقل عن سنتين كأحد شروط منحه الإجازة للممارسة المهنة حسب اختصاصه ، كما ونرى ذلك التطبيق عند الدراسة في المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية في جامعة بغداد – جمهورية العراق ، إذ أن من ضمن المنهاج الدراسي يشترط المعهد على الطلبة ولكل مرحلة من مراحل الدراسة أن يكمل فترة التدريب العملي في دوائر الدولة أو القطاع الخاص كونه أحد متطلبات الدراسية (تحتسب عليه درجة) ولغرض اكتساب الخبرة العملية ، وهذا الأمر منطقي ، إذ لا يمكن لشخص أن يرسم صورة لشيء معين من غير أن يرى ذلك الشيء ، وإلا كان الرسم بعيداً عن الواقع والحقيقة ومن الخيال ، ففي مهنة التعليم المحاسبي لا يمكن لشخص أن يوصف على سبيل المثال ميزان المراجعة بكافة حساباته وحقوله وعناوينه من غير أن يراه حقيقةً ، كما ولا يمكنه إعداد وتنظيم ميزان المراجعة من دون التعرف على كيفية إعداده من خلال مساهمته في هذا العمل على أرض الواقع وما هي مصادر المعلومات اللازمة لإعداده .<br />وفيما يتعلق بعلاقات الجامعة مع غيرها من المؤسسات والجمعيات الأكاديمية والمنظمات المهنية ، فإن الدرجات العلمية المهنية التي تمنحها تلك الجهات تعتبر مصدقة ومعتمدة من قبلها بموجب القانون والتعليمات الممنوحة لها , كما وأن إتمام متطلبات التخصص الرئيس والحصول على الدرجة المهنية ينبغي أن تكون معتمدة ومجازة من قبل مجلس متخصص لهذا الأمر , ونجد أن هناك دراسات عليا في الجامعات تقوم بتأهيل طلابها وتحضيرهم ومنحهم شهادة مهنية عليا في الاختصاص ومنها شهادة CPA)) Certified Public Accountant)) ، إذ أن شهادة (CPA) تُمْنَحْ لمن يُحقق كافة متطلبات هذه الدراسة وينجح في اختصاص المحاسبة التطبيقية والتدقيق والقانون التجاري .<br />خلاصة القول ومما تقدم فإننا نعتقد بأن ردف التعليم النظري بالتعليم المهني التطبيقي قد يحقق كل مقومات التعليم المحاسبي النموذجي (للطلبة والتدريسيين) بما يتضمنه من تركيز على نوعية التخصصات والتنويع فيها .<br />